هل زيارة قبر الوالدين من البر ؟ الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

المادة
هل زيارة قبر الوالدين من البر ؟ الشيخ: سليمان بن خالد الحربي
119 زائر
25-06-2020 10:26

نعم زيارة الوالدين في قبرهما من البر بهما بعد وفاتهما ، لا أعلم خلافا في هذا ، فإن الوالدين ينتفعان بزيارة ابنهما لهما في قبرهما والدعاء لهما ، ومضى عليه العمل بين السلف والخلف وما زال العلماء يعملونه جيلا بعد جيل ، وما زال العلماء يزورون شيوخهم وشيوخ شيوخهم ويسلمون عليهم ويدعون لهم قال ابن تيمية : فلا بأس أن يأتي الرجل قبر أبيه أو أمه أو ذي قرابته فيدعو له ويستغفر له فينصرف )

وقال أحمد بن القاسم: سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن الرجل يزور قبر أخيه الصالح ويتعمّد إتيانه؟ قال: وما بأس بذلك؟ قد زار الناس القبور.) أ.هـ

فكيف بالوالدين فهما آكد ولا شك ، وفيه مع البر بهما موعظة للزائر ، وتذكير له بحقهما أيضا قال الصنعاني في شرحه سبل السلام على زيارة الميت : وَهُوَ أَمْرُ نَدْبٍ اتِّفَاقًا وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ لِآثَارٍ فِي ذَلِكَ .) أ.هـ

والدليل على هذا الأصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب زيارة قبر أمه كما جاء في صحيح مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ زَارَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ « اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى فِى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِى وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِى أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِى فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ » فقوله أن أزورها دليل على أن خصوصية الزيارة لهما مقصودة ، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن ليزور أمه وقد توفيت قبل بعثته ، فكيف بمن توفيا على الإسلام فزيارتهما من باب أولى وأحرى ، مع أنها توفيت وهو صغير ، أي أنه زارها بعد عشرات السنين ولم يقل إنها صارت ترابا فكيف تزار ويذهب إلى قبرها ، وثبت في صحيح مسلم أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذهب للبقيع فيستغفر لأهله ) فلم يدع لهم الرسول في بيته بل ذهب للمقبرة ودعا لهم ، وقد نص العلماء على انتفاع المزور بزيارة الزائر وجعلوه من الحكم التي شرعت من أجلها زيارة القبور وهو نفع الميت بالدعاء له وانتفاع المزور بالاتعاظ

قال القاضي عياض : زيارة القبور قصدها للترحم عليهم والاعتبار بهم ) أ.هـ

وقال ابن تيمية : فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته ) أ.هـ

وقال ابن القيم مبينا مقصد الزيارة المندوبة : كَانَ إذَا زَارَ قُبُورَ أَصْحَابِهِ يَزُورُهَا لِلدّعَاءِ لَهُمْ وَالتّرَحّمِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَهَذِهِ هِيَ الزّيَارَةُ الّتِي سَنّهَا لِأُمّتِهِ وَشَرَعَهَا لَهُمْ ) أ. هـ

وقال النووي في الاذكار : والمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار وللمزور الانتفاع بدعائه ) أ.هـ

وغيرهم من العلماء نصوا على أن الزيارة يقصد بها الدعاء للميت والاتعاظ ، فإذا كان الميت ينتفع بالزيارة فأولى من يزار هما الوالدان ، وتنصيص الشارع على زيارة الميت في قبره والحث على الدعاء له فيه بيان لأمر مشروع ، ، بل إن العلماء نصوا على أن الميت يعرف زيارة الحي ويستبشر بقدوم الزائر عليه وتضافرت نقول العلماء حتى حكى ابن القيم الإجماع على هذا فقال رحمه الله : والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به ) وقال : ويكفي في هذا تسمية المسلِّم عليهم زائرا ، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرا ، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال زاره ، هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم ، وكذلك السلام عليهم أيضا ، فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال ) أ.هـ

وقال ابن تيمية: الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائماً، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي فإنه يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له )

وقال الشيخ ابن باز : فيه أخبار جاءت فيها ضعف، أنه إذا سلم عليه من يعرفه رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام، هذا قول له قوة، ومن هذا الحديث الصحيح قوله : ما من أحد يسلم علي إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام هذا قول قوي، إذا سلم عليه من يعرفه في الدنيا كونه ترد عليه روحه حتى يرد السلام قول قوي، ولكن الأحاديث في صحتها نظر فيها ضعف، فيقال: يمكن هذا، الله أعلم، يمكن إن صحت الأخبار؛ لأن الأخبار فيها ضعف ) أ.هـ

وعلق ابن القيم على حديث ابن عباس الذي فيه أن الميت يرد على الحي السلام قائلا : فهذا الحديث وإن لم يثبت ، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير انكار كاف في العمل به ، وما أجرى الله سبحانه العادة قط بأن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولا ، وأوفرها معارف ، تطبق على مخاطبة من لا يسمع ولا يعقل ، وتستحسن ذلك ، لاينكره منها منكر ، بل سنه الأول للآخر ، ويقتدي فيه الآخر بالأول ، فلولا أن المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم ، وهذا وإن استحسنه واحد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه ) أ.هـ

ولهذا قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : لكن أهل القبور هل هم يخاطبون مخاطبة الحجر أو مخاطبة السامع؟

الجواب: الظاهر الثاني أي "مخاطبة السامع". أ. هـ

وأما مكان الروح المؤمنة في الحياة البرزخية فهي محل خلاف بين العلماء فقيل تكون في الجنة على هيئة طير تأكل من شجر الجنة ، وقيل تعود إلى القبر ، وقيل بعضها في السماء وبعضها يعود ، وقيل غير ذلك وهذه أقوى الأقوال في المسألة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه :" الروح تشرف على القبر ، وتعاد إلى اللحد أحيانا )

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 3 = أدخل الكود
Powered by: MktbaGold 6.6