تحكيم الشريعة

المقال
تحكيم الشريعة
1693 زائر
11/05/2011
فضيلة الشيخ سليمان الحربي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا أما بعد :

فاتقوا الله أيها المسلمون وراقبوه فإن الله يحب المتقين وهو جل وعلا مع المتقين

أيها الإخوة في الله : أقسم ربنا جل وعلا بذاته العلية الكريمة قسما عظيما فقال جل وعلا { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) فهذا قسم عظيم من الله جل وعلا أن الخلق لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم ثم إنه لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر وطمأنينة نفس وانقياد بالظاهر والباطن ولا غرو في ذلك كله فالله جل وعلا هو الحكم والحكم من صفاته قال تعالى ( إن الحكم إلا لله يقص الحق وقرئت يقضي الحق وهو خير الفاصلين ) وتأملوا هذا التوبيخ الشديد والتهكم والتعجب لحال المنافقين فقال تعالى ({ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا } فهم يزعمون أنهم مؤمنون ومع هذا يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وهو كل من حكم بغير ما أنزل الله وهم قد أمروا أن يكفروا به فكيف يجتمع هذا مع الإيمان فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم غير الله على حكم الله فهو كاذب في إيمانه وهذا من إضلال الشيطان كما قال : ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وروى الترمذي وحسنه من حديث عدي بن حاتم أنه قال انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ قوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) فقلت يا ريول الله إنا لسنا نعبدهم ولم يكونوا يصلون لهم فقال : أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه قلت بلى قال فتلك عبادتهم ) فتحكيم الشرعة بين الناس في كل شيء من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه وهي أمنة على البلاد والعباد ولذلك روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال إقامة حد يعمل بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة

وإنما عظم هذا الأمر لأن الله جل وعلا يغضب إذا نوزع في صفاته فكيف يأتي عبد مخلوق وينازع الديان في حكمه وهو ذنب عظيم جدا ولهذا كان أشد الناس عذابا المصورين كما في الصحيحين لأنهم نازعوا ربهم في صفة من أعظم صفاته وهي الخلق وكذلك المتكبرون لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم كما في صحيح مسلم كل هذا احتقار لهم لماذا ؟ لأنهم نازعوا ربهم في صفة من أعظم صفاته وهي الكبر قال الله تعالى ( فالحكم لله العلي الكبير ) وتأمل فرح النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب قال مر على النبي بيهودي محمما مجلودا فدعاهم فقال هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قال لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم فأنزل الله عز وجل يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله إن أوتيتم هذا فخذوه يقول ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا فأنزل الله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون

فتأمل فرحه صلى الله عليه وسلم بقوله (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )

بارك الله لي ولك في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم

الحمد لله على إحسانه والشكر على توفيقه وامتنانه وأشهد ألا إله إلا الله تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه أما بعد :

أيها المسلمون :

شريعة الله هي المنهج الحق الذي يصون الإنسانية من الزيغ، ويجنبها مزالق الشر ونوازع الهوى.شفاء الصدور، وحياة النفوس، ومعين العقول. يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون منبع الشريعة ومصدرها كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه محمد

كتاب الله أساس الدين ومصدر التشريع، رحمة الله على العالمين، حوى أصول الشريعة وقواعدها في عقائدها وأخلاقها وحلالها وحرامها، يضيء للأئمة مسالك الاستنباط في معرفة أحكام الحوادث والمستجدات في كل زمان ومكان.((فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها)) كما قال الإمام الشافعي رحمه الله.

ويقول الشاطبي: ((الكتاب كل الشريعة، وعمدة الملة ،وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور البصائر والأبصار. لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة إلا لمن استضاء بهداه)). اهـ . يفتح مغاليق القلوب وتستنير به الأفئدة.

حينما نتكلم عن تحكيم الشريعة فمن الخطأ الكبير اختزال هذا الأصل العظيم على الحكام بل هو عام مدلول الآية أوسع من ذلك، أنها تشمل الحاكم والمحكوم، وتشمل الرجل والمرأة، وتشمل الوالد والولد، وتشمل المدرس والطالب، وتشمل المدير والموظف، وتشمل الضابط والجندي، تشمل كل إنسان وكل شأن من شؤونك في عملك في بيتك في علاقتك مع أسرتك ومع أصدقائك ومع أعدائك

وإن من البشائر العظيمة ما نراه من صحوة كثير من الشعوب الاسلامية في مطالبتها بتحكيم الشريعة في قوانينها وشؤونها على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي فهذه هي هوية الامة المسلمة الحقة ومن العجب العاجب أن يقف بعض المنتسبين إلى الاسلام في تلك الدول إزاء هذه المطالبات موقف الرافض أو على الأقل موقف المتوجس وتكون مطالبهم بالقوانين الوضعية ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } . ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر ، وإلى منهج آخر ، وإلى حكم آخر . . يريدون أن يتحاكموا إلى . . الطاغوت . . الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . ولا ضابط له ولا ميزان والله لم يأمرهم فقط بعدم التحاكم بغير ما أنزل الله بل أمرهم بأن يكفروا به قال الله ( وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا

فاللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم

ثم صلوا وسلموا على رسول الهدى وإمام الورى فقد أمركم ربكم فقال جل وعلا " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين ...وانصر عبادك الموحدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم اللهم عليك باليهود المعتدين والنصارى المحاربين اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك اللهم أحصهمم عددا .......اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أمتنا وولاة أمورنا اللهم وفقهم لما يرضيك وجنبهم معاصيك اللهم واجزهم عن تحكيم شرعك وحدودك أفضل الجزاء وثبتهم على ذلك اللهم تب على التائبين واهد ضال المسلمين اللهم ردهم إليك ردا جميلا اللهم ارفع ما نزل من الفتن ...اللهم اغفر لنا ولوالدينا ...عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العلي العظيم يذكركم واشكروه على نعمكم يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
جديد المقالات
جديد المقالات
تعليق حول مسألة المسبوق - خطب مقـــــــروءة
درس الاخلاص - خطب مقـــــــروءة
عبادة الوضوء - خطب مقـــــــروءة
سجن المعسر - خطب مقـــــــروءة
الصلاة تكفر الخطايا - خطب مقـــــــروءة
Powered by: MktbaGold 6.6