"فأسرها يوسف في نفسه" - خاطرة للشيخ: سليمان بن خالد الحربي

المقال
"فأسرها يوسف في نفسه" - خاطرة للشيخ: سليمان بن خالد الحربي
37572 زائر
05/05/2011
الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

بسم الله الرحمن الرحيم

( فأسرها يوسف في نفسه )

أصل الله في كتابه أصلا عظيما في التعامل مع الناس وإن قسوا عليك ، نلحظ هذا الأصل في مثل قصة يوسف عليه السلام حينما وضع الصواع في رحل أخيه ثم سألهم عنه فقال الإخوة ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين فلما فتحوا متاعهم وجدوا الصواع في رحل أخيهم ! فقالوا كلمة جارحة ، وإهانة بالغة ليوسف عليه السلام ، فقالوا ( إِنْ يَسْرِقْ } هذا الأخ، فليس هذا غريبا منه. { فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } يعنون: يوسف عليه السلام، ومقصودهم تبرئة أنفسهم وأن هذا وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا. وفي هذا من الغض عليهما ما فيه ، ومع هذا نجد تعامل يوسف عليه السلام تعاملا بلغ الغاية في الأدب ، واللطف والمداراة فوصفه الله بقوله ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) واختلف المفسرون رحمهم الله هل الإسرار الذي في نفسه هو للموقف وهذه التهمة التي اتهموه بها فلم يعنفهم ولم يقابلهم بالإساءة ، أم الإسرار هو ما ذكره الله بعد ذلك في وصفه لهم بقوله ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) وعلى كلا الرأيين فإن الشاهد باق وأنه قام بمداراتهم ، ولم يرد عليهم على خلاف ما يفهمه كثير من الناس من هذا الصنيع بكونه ضعفا وخورا ، بل ذكره الله في كتابه ثناء ليوسف عليه السلام ،

ما أقبح أن تختلط المفاهيم وأن يسوق الخطأ باعتباره خصلة صحيحة مرغبا فيها ، إن احترام مشاعر الآخرين وعدم أذية الناس وتحبيبهم إلى نفسك وتوددك إليهم ومداراتك لهم أصل عظيم في الإسلام وخصلة بارزة في نصوص القرآن والسنة فماباله أصبح يسوق بأنه ضعف وخور ، ماباله أصبح في مفهوم بعض الناس بضاعة الضعفاء وقليلي الحيلة ، أما ارتسامه كخلق إسلامي جميل فغير مقبول في نظرهم يذكرنا موقف يوسف عليه السلام بموقف نبينا صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري ومسلم من حديث عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رَآهُ قال بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ بن الْعَشِيرَةِ فلما جَلَسَ تَطَلَّقَ النبي صلى الله عليه وسلم في وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إليه فلما انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالت له عَائِشَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ حين رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ له كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ في وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إليه وألنت له الكلام فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ الناس عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يوم الْقِيَامَةِ من تَرَكَهُ الناس اتِّقَاءَ شَرِّهِ انظر إلى قبح هذه الخصلة ولا تغفل وبنفس الاهتمام تأمل جمال التعامل والمداراة والتودد ولهذا لم يجد الإمام البخاري رحمه الله إمام المحدثين أحسن من هذا العنوان والترجمة فبوب عليه في صحيحه فقال : بَاب الْمُدَارَاةِ مع الناس ، وكذا صنع الإمام النووي رحمه الله في شرحه لمسلم ، ثم َذكر البخاري في صحيحه عن أبي الدَّرْدَاءِ قال إِنَّا لَنَكْشِرُ ونضحك في وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ ، إذا ليس هذا ضعفا فإذا كان هذا التودد وهذه المداراة مع أمثال هؤلاء فكيف بها مع أفاضل الناس وعوامهم ، وجاء هذا الأصل في قول الله تعالى ( وقولوا للناس حسنا ) ما أحسن الموظف والمعلم والطبيب والعسكري والتاجر وغيرهم عندما تراه يتودد إلى مراجعيه ومن يتعامل معه من غير منة يراها عليه ، تجد الألسن تذكرُه وتحمده وتدعوا له والقلوبَ ممتلئة ًبالوداد له ، ولهذا لو تأملنا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سكن معه في مدينته الصغيرة جدا الكفار واليهود والمنافقون وقد كان من سيرته التي لا تخفى من غشيانهم ومخالطتهم الشيء الكثير ومع هذا نجد أنه في تعامله معهم صورة ناصعة الجمال من اللين والرفق والبر ، وأما المنافقون فقد أعلمه الله سرهم ومكنونهم بأسمائهم ومع هذا لم يشعر أحد من الناس بذلك ولم يُعلم أحدا هذه الأسماء إلا أمين سره ، كم هو عجيب جدا هذا الخلق وهذه الشجاعة النفسية ، أحدنا إذا كره مسلما تعلم عن بغضه له وشدة ضغنه عليه قبل أن يتكلم بل قبل أن يراه ماثلا أمامه فكيف إذا مثل أمامه لِم لم نر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أشد الناس عداء للإسلام وأكثرهم إضرارا بأهله وهم المنافقون لم نره اتخذ هذا حتى ديانة من أجل أن يحذر منهم الناس كلا إن رسول الله حذر من أوصافهم أشد التحذير ومن أسر شيئا فالله حسيبه ويبقى حقه في الظاهر ولا ننسى قصته مع رأس المنافقين عندما مات ، لا تظن أن هذه الخصلة سهلة لا تحتاج إلى مران ولياقة واختبار ، بل تحتاج منك إلى عزيمة وتواضع كيف تحمل نفسك على تحمل من يتغطرس ومن يخطأ دون مجاملة في دين الله

إن هذا الدين جد عظيم ولكن كيف نفهمه على حقيقته بعيدا عن أدواء النفس كيف نترسم السبيل ، إن عدم ترسمنا للطريق مع قناعتنا بخطئنا أهون وبكثير من اعتقادنا أن هذا الأسلوب الخاطئ هو الأسلوب الصحيح للتعامل ، أدب الله نبيه بقوله خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين قال السعدي رحمه الله عندها : هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس ، وما ينبغي في معاملتهم فالذي ينبغي أن يعامل به الناس أن يأخذ العفو أي ما سمحت به أنفسهم ، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق ، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبعائهم ، بل يشكر من كل أحد ما قابله به من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك ، ويتجاوز عند تقصيرهم ، ويغض طرفه عن نقصهم ، ولا يتكبر على الصغير لصغره ، ولا ناقص العقل لنقصه ، ولا الفقير لفقره ، بل يعامل الجميع باللطف، والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم ، ولما كان لا بد من أذية الجاهل أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه ومن حرمك لا تحرمه ومن قطعك فصله ومن ظلمك فاعدل فيه ) فاللهم اهدنا فيمن هديت .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
Powered by: MktbaGold 6.6