مهلًا: علموا الإيمان قبل القرآن!! - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

المقال
مهلًا: علموا الإيمان قبل القرآن!! - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي
4510 زائر
10/05/2011
الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

مهلا : علموا الإيمان قبل القرآن !!

يزداد العجب وتظهر الدهشة حينما ترى كافرا لا يرجو الآخرة يمارس خلقا إنسانيا جميلا حينما ترى وفاءه أو ترى صدقه وانضباطه في عمله هي ولا شك أخلاق فطرت النفوس على حبها ولهذا لا غرابة أن يشترك العقل الإنساني في محبة التحلي بها

إن هذه التربية للنفس بحملها على الفضائل حتى ممن لا يدين بالثواب الأخروي مطلب روحي تعشقه النفس الإنسانية ولهذا تتفق العلوم الإنسانية على وجوب تعلم هذه الفضائل والسجايا وبالتفاتة إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي كانت خصاله وسجاياه الفطرية في غاية الجمال والروعة تذكر لنا أمنا خديجة رضي عنها أدق وصف لحاله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها لما نزل عليه جبريل في غار حراء ورأى رسول الله ما رأى رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم ترجف بوادره وفؤداه حتى دخل على خديجة فقال ( زملوني زملوني ) . فزملوه حتى ذهب عنه الروع . قال لخديجة ( أي خديجة ما لي لقد خشيت على نفسي ) . فأخبرها الخبر قالت خديجة كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق .

كم هي ملهمة هذه الزوجة عرفت أمنا خديجة بفطرتها أن الله لا يخزي من استقام على دينه وتقرب إليه تأمل تلك التطمينات في قولها له كلا هذا تأكيد للنفي ثم بشرته وطيبت خاطره فقالت له أبشر ثم أقسمت فقالت والله لا يخزيك الله ولم تكتف بهذا بل أبِّدته ونفته مدى الدهر هذا خلقه صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي

فخلال الأخلاق عندما تنطبع في النفس وتنصبغ بها فإنها إذا كانت مع الإيمان أثمرت ثمارا يانعة رائعة ورسولنا صلى الله عليه وسلم كما وصفته عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم عن سعد بن هشام قال قلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت ألست تقرأ القرآن ؟ قلت بلى قالت فإن خلق نبي الله صلى الله عليه و سلم كان القرآن فما هي أخلاق القرآن ؟ هي كل فضائل النفس من الصدق وعدم الغدر والخيانة وعدم الكذب وتعظيم الوالدين ورحمة الصغير واحترام الكبير وعدم المجاهرة بالسوء والتواضع والكرم وغير ذلك من الفضائل وقد لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بحديث جامع كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ) قال النووي رحمه الله : ومعناه أن اصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا فهم خيار الناس .ا.هـ وقال العيني رحمه الله : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ووجه التشبيه اشتمال المعادن على جواهر مختلفة من نفيس وخسيس كذلك الناس من كان شريفا في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شرفا فإن تفقه وصل إلى غاية الشرف وكانت لهم أصول في الجاهلية يستنكفون عن كثير من الفواحش . اهـ

إن هذه المسألة أعني تعلم خصال الإيمان والتحلي بها والتي هي جوامع الأخلاق مسألة همشت في زماننا عند بعض المربين والآباء والأمهات فبقدر ما ترى الأب حريصا على تعليم ولده القرآن وتحفيظه إياه تجده غافلا عن تمرينه وتعليمه على خصال الخير والأخلاق منذ نعومة أظفاره فضلا عمن يربي ولده على غير ذلك من تعلم البيع والشراء أو الأمور التقنية أو الحرص على تعليمه والاهتمام بمستواه الدراسي بينما لا تجد ذلك الحراك ولا ذاك الاهتمام المساوي لتعليمه خصال الإيمان فيأتيك من الصغار ممن هم في السنة الخامسة أو السادسة وهو لا يعرف قيمة المسجد ولا آدابه ولم يعلمه والده حقوق المصحف بل ترى لسانه مشحونا بمفردات البذاءة بل وبعضهم بفاحش القول ثم بعد ذلك نتوجع ونقول مابال أولادنا؟ ومابال نشئنا ؟لماذا المجتمع فيه من يحرص على نشر الرذيلة ؟ لم تكثر فيه علاقة المصالح؟ لم الناس يطيرون بالشائعات دون تثبت ولا روية ؟ أسئلة كثيرة من أعظم أجوبتها هو أن كثيرا منا لم يتعلم خصال الايمان ولم يحرص على تعليمها لأولاده ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه القرآن هو تعليم الإيمان أولاً قبل تعليم الأحكام مصداق ذلك وشاهده ما رواه ابن ماجة بإسناد جيد عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة ( جمع حزوّر أو حزور وهو الذي لم يبلغ بعد ) فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا" فتأمل قوله : تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن بل صرح بذلك ابن عمر حينما قال : "تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً، وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان" · وعنه رضي الله عنه كما عند الحاكم وقال على شرط الشيخين قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فالصغير قبل أن نحرص على تحفيظه القرآن لِمَ لا نحرص على تربيته على شجرة الإيمان فما أجمل الصغير وهو يجمع مع حفظ القرآن خلق القرآن ، كم هو منهج رائع في التربية أن يبدأ بالإيمان بخُلق الإنسان مع ربه وخلقه مع الناس بعامة وتعريف الصغار بالحقوق ولهذا وبكل أسف تجد في زماننا من لم يتمرن على كثير من الفضائل أبدا ، فحري على الوالدين أن يهتما بهذا الجانب وأن يعتنيا به عناية شديدة فإذا ما بدأ في سن مبكرة في حفظ القرآن وقد تهيأ بالتربية الحسنة فإنه ولاشك سيجتمع فيه خصال الخير كما قال الله ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا )

ولا يعني هذا أن لا نعلم أبناءنا القرآن بسبب تقصيرنا بتربيتهم كلا وليس هذا المقصود فمن قصر في تربيته لابنه فلا يقصر في توجيهه لحفظ القرآن أيضا وإنما المقصود أن يستشعر الوالد والأم أهمية تلك المرحلة وعظم أثرها كما أثرت على جيل الصحابة ومن بعدهم وهو جواب لسؤال متكرر : مابال كثير من أبنائنا لم يؤثر فيه القرآن ؟

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
Powered by: MktbaGold 6.6