قضية اللغة العربية في القرآن - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

المقال
قضية اللغة العربية في القرآن - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي
2246 زائر
19/05/2011
الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله جعلتنا خير أمة ، وأنزلت علينا أفضل الكتب ، وخصصتها بالفصاحة والإعراب وعلمتنا من البيان ما منه التصريح والإطناب والتلويح والإغراب وبعد :

نزل القرآن الكريم على لغة العرب ، بل إن الله جعل هذا المعنى هو جواب القسم في موضعين من القرآن فقال تعالى في أول سورة يوسف بسم الله الرحمن الرحيم" الر تلك آيات الكتاب المبين إن أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " وقال في تعالى في أول سورة الزخرف "بسم الله الرحمن الرحيم حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) ومن المعلوم أن القسم يستفاد منه عظم المقسم من أجله ، بل إن ربنا نوع في ذكره وإخباره لهذا الأمر وبيان أن هذا القرآن نزل بلغة العرب = أو ما تأملت ذلك عندما دحض فرية الكفار في قولهم إن الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم أخذ هذا القرآن من علوم سابقة إما من أهل الكتاب أو غيره فرد الله عليهم ذلك بقوله : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعمه بشر لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) قال النسفي في تفسيره ص609 : أي لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان أعجمي غير بين ، وهذا القرآن لسان عربي مبين ذو بيان وفصاحة = ردا لقولهم وإبطالا لطعنهم.إ.هـ واقرأه رده أيضا -جل وعلا - على هؤلاء الهلكى في سورة الشعراء ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) فهذه جملة مؤكدات سبقت قوله ( بلسان عربي مبين ) مما يبين أن هذه القضية ذات شأن عظيم وأن تقريرها مهم غاية للمكلفين ، وإنما أخذت هذه القضية ما أخذت من الاهتمام إنما هو بسبب هذا البيان المعجز والذي عجز أرباب البلاغة والبيان أن يعارضوه مع محاولتهم لذلك ومع هذا عجزوا أن يأتوا بآية واحدة ، وأبى الله إلا أن يظهر إعجابهم بهذا القرآن وإن لم يؤمنوا ولكنهم كانوا يعجبون بالبيان ، وقوة الكلام ، انظر إلى حادثة الوليد بن المغيرة كما ساقها ابن كثير في تفسيره 4 / 444 قال : جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال لم قال يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله قال قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال وأنك كاره له قال فماذا أقول فيه فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى فقالوا له : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه قال فدعوني حتى أتفكر فيه فلما فكر قال إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره فنزلت ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) الآيات

فهم يتذوقون بلاغة وبيان القرآن العظيم ولكن الكبر والحسد منعهم من الإيمان بالله ، ولذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يستخدم هذا الأمر -أعني البيان - من أجل أن يقرر لهم أنه ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وما قصة ضماد التي رواها مسلم في صحيحه( 867 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الريح – أي الجنون- فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون فقال لو أنى رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي قال فلقيه فقال يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك فقال رسول الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد قال فقال أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله ثلاث مرات قال فقال لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر – أي وسطه - قال فقال هات يدك أبايعك على الإسلام قال فبايعه فقال رسول الله وعلى قومك قال وعلى قومي

فانظر كيف أخذت هذه الكلمات بلبه وعقله جراء حسنها وقوة سبكها ، ولما ضعفت الألسنة وغارت القريحة عند كثير منا أصبح البعض لا يتذوق هذه البلاغة وهذا البيان المعجز وما أدل على هذا من هذه الكلمات التي قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم لضماد فانظر كيف أثرت به وانظر إلى تأثيرها على البعض منا عندما يسمعها ، إقرأ – إن شئت- إلى كلام بعض المفسرين المهتمين بالأسلوب القرآني عند قوله تعالى ( واشتعل الرأس شيبا ) وكيف أطلق ذاك المفسر عندما أراد تفسيرها وأصبح يحدد مكان القوة في هذه الآية بأسلوب المندهش من هذا البيان فقال : ولا ترى كلاما أفصح من هذا ) ثم بدأ يكرر قوله : (وأبلغ منه ) و ( وأقوى منه ) فجمع في هذه الكلمات الثلاث أكثر من عشرة أوجه بلاغية كل وجه أقوى من الآخر ، وغير هذا كثير جدا في كتاب الله ومن قرأ في هذا الباب عرف الحاجة الأكيدة إلى تقوية اللسان ومعرفة كلام العرب لمن أراد أن يعرف حقيقة هذا الإعجاز ولهذا أوصى العلماء في كتبهم طالب العلم بتعلم علوم العربية ومعرفة قواعدها حتى لا يلحن في قراءته أو يخطأ في فهمه قال أبو بكر الأنباري : جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم من تفضيل إعراب القرآن والحض على تعلمه وذم اللحن وكراهيته ما وجب به على قراء القرآن أن يأخذوا أنفسهم بالاجتهاد في تعلمه وقال ابن عطية : إعراب القرآن أصل في الشريعة لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع ، وكلام الأئمة في فضل تعلم العربية والإعراب أجدى من تفاريق العصا ، وأكثر من عديد الحصى ، ولكن ما ذكرته إنما هو بعث للهمة ، وتذكير للطالب بما ينبغي أن يلمه ، وهي عجالة راكب وصبابة غدير وقليل من كثير

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 1 = أدخل الكود
Powered by: MktbaGold 6.6