{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن} - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

المقال
{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن} - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي
3310 زائر
19/05/2011
الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله تعالى حمد معترف بالتقصير ، وأعوذ به من سوء المصير ، وأشهد أن لا إله إلا الله السميع البصير ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير أما بعد :

فإن آية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي الكلمة والبيان ، والمتمثل في هذا القرآن ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ومامن نبي بعث إلا وأعطاه الله من الآيات ما يثبت للناس أنه رسول من عند الله روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة "

فهذا القرآن العظيم كفيل بأن من يقرأه طالبا الانتفاع والتأثر والوصول إلى الحق أن يدلّه عليه ويبصّره بالنور المبين ، وقد عرف أعداء الله هذه القضية حق المعرفة منذ رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا المعاصر = وهم يدركون أن هذا القرآن شديد التأثير ، يدخل إلى شغاف القلوب ويؤثر في الوجدان تأثيرا كبيرا ، هذا الكلام وربي عرفه كفار مكة وعلموا أثر القرآن على سامعه فضلا عن حافظه ألم يقل ربنا جل وعلا (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون )

أي أعرضوا عنه بأسماعكم وإياكم أن تلتفتوا أو تصغوا إليه وإلى من جاء به فإنه يؤثر عليكم وقد يسحركم به فإن اتفق أنكم سمعتموه أو سمعتم الدعوة إلى أحكامه عارضوه والغوا فيه أي تكلموا بالكلام الذي لا فائدة فيه بل فيه المضرة ولا تمكنوا مع قدرتكم أحدا يملك عليكم = الكلام به وتلاوة ألفاظه ومعانيه هذا لسان حالهم ولسان مقالهم في الإعراض عن هذا القرآن لعلكم إن فعلتم ذلك تغلبون قال السعدي رحمه الله : وهذه شهادة من الأعداء وأوضح الحق ما شهدت به الأعداء فإنهم لم يحكموا بغلبتهم لمن جاء بالحق إلا في حال الإعراض عنه والتواصي بذلك ومفهوم كلامهم أنهم إن لم يلغوا فيه بل استمعوا إليه وألقوا أذهانهم أنهم لا يغلبون فإن الحق غالب غير مغلوب يعرف هذا أصحاب الحق وأعداؤه ، ا.هـ

وفي وقتنا المعاصر قال أحد غزاة الفكر الغربيين بعد أن خاض تجربة طويلة في بعض بلاد المسلمين في التغريب لما رأى فشله وعدم القدرة على الوصول إلى أهدافه كلها فقال بحسرة وندامة بعد أن وجه إليه العتاب والمساءلة :

( وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من دولتي وخططي )

ومن فضل الله ورحمته أن تكفل الله بحفظ القرآن الكريم من بين الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين فهذا القرآن محفوظ بحفظ الله له إلى أن يرفع في آخر الزمان ولن يستطيع أحد أن يعبث فيه تحريفا أو إسقاطا فربنا يقول [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] {الحجر:9} وكثير من الناس يظن أنه لا يوجد سوى هذه الآية مما يستدل به على إخبار الله لحفظ كتابه نصا على ذلك وهذا غير صحيح فإن الله جل وعلا قال [بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ] {البروج:22} ففي قوله ( محفوظ ) قراءتان سبعيتان فقرأت بالخفض وهي قراءة الجماعة وقرأت بالرفع وهي قراءة نافع ( محفوظ ٌ ) قال الشاطبي رحمه الله في حرز الأماني : [ ومحفوظٌ اخفض رفعه خص ]والخاء رمز للقراء السبعة إلا نافعا ، فتكون قراءة الرفع وهي قراءة نافع على أنه نعت للقرآن في قوله ( بل هو قرآن ) وليس للوح المحفوظ قال أبو عبد الرحمن بن الجوزي في زاد المسير ج9/ص79 : وقرأ نافع محفوظ رفعا على نعت القرآن فالمعنى إنه محفوظ من التحريف والتبديل هـ

وإذا تدبرنا مسيرة هذا الكتاب العظيم على مر مئات السنين السابقة وحفظه من كل تحريف أو تبديل تجلّى لنا هذا الحفظ وهذه العناية الإلاهية وما أجمل تلك القصة المسندة والتي ساقها أبو عبد الله القرطبي في تفسيره تعزيزا لهذا المعنى قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره ج10/ص5

أنبأنا الشيخ الفقيه الإمام أبو القاسم عبد الله عن أبيه الشيخ الفقيه الإمام المحدث أبي الحسن علي بن خلف بن معزوز الكومي التلمساني قال قرئ على الشيخة العالمة فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري وذلك بمنزلها بدار السلام في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع وستين وخمسمائة قيل لها أخبركم الشيخ الأجل العامل نقيب النقباء أبو الفوارس طراد بن محمد الزينبي قراءة عليه وأنت تسمعين سنة تسعين وأربعمائة أخبرنا علي بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المعروف بالطوماري حدثنا الحسين بن فهم قال سمعت يحيى بن أكثم يقول : كان للمأمون وهو أمير إذ ذاك مجلس نظر فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة قال فتكلم فأحسن الكلام والعبارة قال فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له إسرائيلي قال نعم قال له أسلم حتى أفعل بك وأصنع ووعده فقال ديني ودين آبائي وانصرف قال فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما قال فتكلم على الفقه فأحسن الكلام فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال ألست صاحبنا بالأمس قال له بلى قال فما كان سبب إسلامك قال انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان وأنت تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت وأدخلتها الوراقين فتصفحوها فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا سبب إسلامي قال يحيى بن أكثم فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر فقال لي مصداق هذا في كتاب الله عز وجل قال قلت في أي موضع قال في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل بما استحفظوا من كتاب الله فجعل حفظه إليهم فضاع وقال عز وجل إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع )

وإذا ما ترسخت هذه القضية في قلوبنا وعقولنا – أعني مسألة حفظ القرآن- فإنه ينبعث المسلم إلى العناية بهذا القرآن المحفوظ الذي لا يخالط المرء فيه أي شبهة أو تردد أنه كلام الله عز وجل فيقوم به حفظا وعملا وتدبرا وتلاوة بل ويجعله هو أول ما يتعلم من العلم ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث حُذَيْفَةُ قال حدثنا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ رأيت أَحَدَهُمَا وأنا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا من الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا من السُّنَّةِ .......الحديث ، قال الحافظ ابن حجر معلقا على قوله ( ثم علموا من السنة ) في فتح الباري ج 13 / ص 39 : وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن . وقال ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم 2 / 166: طلب العلم درجات ومناقل ورتب لاينبغي تعديه ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل ومن تعداه مجتهدا زل فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه ) وقال النووي رحمه الله في مقدمة كتابه المجموع : وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن )

وكلام السلف كثير في أهمية العناية بالقرآن الكريم والاجتهاد في حفظه نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل القرآن الذين يتلونه حق تلاوته وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه / سليمان بن خالد الحربي

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
01-01-1970 03:00 (غير مسجل)

محمد الخليف

الف شكر وجزاك الله كل خير
[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
Powered by: MktbaGold 6.6