داء التجربة - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

المقال
داء التجربة - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي
3073 زائر
23/06/2011
الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

يقف المرء متأملا ومتعجبا من قصة أبينا آدم عليه السلام أول ما خلقه الله ثم أدخله الجنة تلك الدار العظيمة الجميلة وقال له جل وعلا : فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ضمن له استمرار الطعام والشراب، والكسوة، والماء، وعدم التعب والنصب وذلك أن الإنسان بحاث متطلع لأكله وصحته ولباسه وراحته وهذه الأشياء هي النفقات الواجبة على الزوج لزوجته ولهذا خصه الله فقال فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ولم يقل فتشقيان لأن الزوج هو الموكل بالنفقة لكن إبليس جاءه من طريق لازال وللأسف يستخدمه معنا حتى الآن ونحن لم نستفد من قصة أبينا عليه السلام ألا وهو التصور الكاذب والاعتقاد الفاسد وهو أن تُقبل على المعصية وفي نفسك تصور غير صحيح كما صور إبليس لأبينا عليه السلام قال له : "قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى "أتاه بمنطق كاذب فمن قال إن هذه الشجرة تورث الخلد ولكنها إحدى كذبات إبليس الطريد ولو أن آدم عليه السلام تذكر أنه في نعيم عظيم وأن الأكل من هذه الشجرة فيه مخالفة لأمر الله وأنه سيبدله بعد الراحة شقاء لما أكل ولكن كما قال الله "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا " ومعنى ( ولم نجد له عزما ) قال ابن السائب : أي حزما وقال قتادة صبرا فذكر الله لنا في هذه القصة العجيبة أمرين:

الأول : سبب الوقوع في المعصية

والثانية : كيفية التخلص منها

أما سبب الوقوع في المعصية فهو التخيل الكاذب عند الوقوع في المعصية فجلساء السوء مثلا يقولون لصاحبهم لم لا تأكل هذه الحبة من المخدرات مرة واحدة وتجرب مفعولها فهي تشرح الصدر وتؤنس الخاطر وإذا لم تعجبك فلا تأكلها مرة ثانية هنا بدأ التصوير الكاذب من قال بأنها تشرح الصدر ونحن نرى أهلها في حسرة ؟!

ومن قال بأنك إذا أكلتها مرة سيكون بيدك القرار لعدم أكلها مرة ثانية ؟!

أبدا الأمر إلى حد كبير خرج عن سيطرتك وإرادتك فالجسم إذا دخلته مثل هذه السموم بدأ بطلبها ولو لم يكن كذلك لما رأيت الشباب يتهافتون عليها مع علمهم بضررها إنها آفة التجربة كم أسقطت من عفيف وكم أسقطت من شاب أكثر الشباب كان محصنا نفسه عن الدخان سنين طويلة ولا تفكر نفسه بل لم تحدثه بشربه فإذا ما دخل عليه سرطان التجربة إذا به يسقط سقوطا ويتهافت كما يتهافت العود في النار

أرأيتم الشاب العفيف والفتاة العفيفة عاشا حينا من الدهر وهما لم يعرفا المواقع الإباحية والصور الفاضحة ولا المعاكسات الهاتفية ويأتي الشيطان أحدهما من هذا المدخل لم لا تجرب جرب مرة واحدة وكفى ، انظر ثم فارقها

والسؤال من قال لك ومن كذب عليك أنك بعد التجربة ستستطيع أن تتخلص منها ولن ترجع إليها ما أصعبها ووالله لو تذكر هذا الشاب أنه الآن يعيش بنعمة عظيمة وهي راحة القلب وأن النظر ولو مرة واحدة إلى مثل هذه المواقع هي السقطة الكبيرة لامتنع كثير من الناس عن رؤية هذه الصور ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما راو الحاكم وصححه من حديث حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل و عز إيمانا يجد حلاوته في قلبه

ولهذا من تأمل أحوال الرجال والنساء فيما ابتلوا به ويجاهدون أنفسهم في تركه من المعاصي وجد أن كثيرا منهم كان يعرف حرمة هذه المعصية ويعرف أثرها النفسي والاجتماعي ولكنها كانت غلطة تصور وآفة تجربة وتأملوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ قال ابن حجر في الفتح : أَيْ فَإِنَّهُ يُقَوِّيه وَيُمَكِّنهُ مِنْ نَفْسه حَتَّى تَنْقَاد لَهُ وَيُذْعِن لِتَحَمُّلِ الشِّدَّة ، فَعِنْد ذَلِكَ يَكُون اللَّه مَعَهُ فَيُظْفِرهُ بِمَطْلُوبِهِ . وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَمَّا كَانَ التَّعَفُّف يَقْتَضِي سَتْر الْحَال عَنْ الْخَلْق وَإِظْهَار الْغِنَى عَنْهُمْ فَيَكُون صَاحِبه مُعَامِلًا لِلَّهِ فِي الْبَاطِن فَيَقَع لَهُ الرِّبْح عَلَى قَدْر الصِّدْق فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّبْر خَيْرَ الْعَطَاء لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْس عَنْ فِعْل مَا تُحِبّهُ وَإِلْزَامهَا بِفِعْلِ مَا تَكْرَهُ فِي الْعَاجِل مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَتَأَذَّى بِهِ فِي الْآجِل .

فنداء إلى كل شاب لم يسقط في براثن الدخان والمخدرات والسموم وإلى كل رجل لم يقع في واقع الشهوة المحرمة وإلى كل شاب حفظ بصره عن النظر إلى الحرام حافظ على نفسك وإياك أن تكون فريسة للشيطان كما وقع غيرك واعلم أن كل هؤلاء لو سألتهم عن واقعهم لقالوا لك بحرف واحد نحن في بلاء وحسرة وأنت في نعمة ومنحة أفلا يكفي هذا دافعا لك ومؤنسا لك وشافعا لأن تبقى على استقامتك ومحافظتك على حياتك فكيف إذا كان مع هذا الأجر الجزيل والثواب العظيم لمن ترك الحرام إجلالا لله واحتسابا في ثواب الله فإياك وداء التجربة فإنها في أول الأمر تجربة ثم تكون مهلكة وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 2 = أدخل الكود
Powered by: MktbaGold 6.6