علاج "التعلق والعشق" - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

المقال
علاج "التعلق والعشق" - الشيخ: سليمان بن خالد الحربي
52359 زائر
07/05/2011
الشيخ: سليمان بن خالد الحربي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

كتب إلي شاب في المرحلة الثانوية رسالة يشكو فيها هبوط مستواه الدراسي بسبب تعلق قلبه بشاب آخر وعشقه له وتغيرت حاله ومزاجه ويسأل عن حل هذا البلاء وما حكمه ؟

فأجبته مرشدا ومشفقا عليه بما يلي :

الحكم الشرعي للنظر إلى الشخص بلذة وتلذذ حرام كما أفتى بذلك أهل العلم المحققون كابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم وتكرار النظر إليه ومداومة ذلك وتعلق القلب به دليل على التلذذ قال شيخ الإسلام رحمه الله : ومن كرر النظر إلى الأمرد أو داومه وقال إني لا أنظر بشهوة فقد كذب في ذلك ومن استحل النظر بشهوة فقد كفر إجماعا ) انتهى كلامه.

لكن المشكلة ليست في معرفة الحكم الشرعي ، فهذا معروف ضرورة وإنما المشكلة في تعلق القلب وإذا تعلق القلب بشيء تعلقت الجوارح به ، فمن أحب شخصاً صار الشيء البغيض له محبوباً له إذا كان سيجمعه بمحبوبه ، فمثلاً قد يتحمس للذهاب إلى المدرسة مع عدم اهتمامه بها لأجل محبوبه ، وإن من أنفع العلاج بعد توفيق الله ما يلي :

1- الدعاء بأن ينزل في قلبك حب الله والتعلق به وأن يصرفه عما تعلق به ، فتدعوه بتضرع وخضوع والله قريب مجيب كما التجأ يوسف عليه السلام إلى ربه فقال ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم )

2- ومن الخطوات العملية التي من المهم أن يعملها الإنسان هي تدريب الذهن على الخيال النافع والجميل ، فالشاب عندما يرى شاباً فيعجب به ، فالمشكلة هنا ليست في تلك النظرة ، بل في بقاء تلك الصورة في خياله بسبب تكراره للنظر والاحتفاظ بها فيستعيدها كل حين وفي أوقات فراغه ، فالخيال يوجه لهذا الشخص فقط ويستقل بتفكيره دون غيره ، فمن حين ما يجد الشخص وقت فراغ تجده يستعيد تلك الصورة فتمر في خياله مرات في يومه ، ومع تكرار تلك الصورة في خيال ذلك المعجب ، يزداد إعجابه ويتعلق قلبه به ، ومع طول المدة يصعب التخلص منه ، ولهذا كان ذلك العشق سبباً في تدهور مستواك الدراسي فأنت عندما تتفرغ للمذاكرة والمراجعة تجد خيالك مباشرة يتجه إلى ذلك الشخص فيذهب الوقت ولم تنجز شيئاً ، ولإنهاء مشكلة التعلق والعشق لذلك الشاب : يجب أن تعوّد خيالك على الخيال النافع المفيد وتقطع ذلك الخيال الذي أسرك وأتعبك وخفض من مستواك الدراسي ، مثلاً درب خيالك على التفكير في إصلاح بعض الأشياء أو في مستقبلك أو في حل مشكلة ما أو في دراستك أو غير ذلك من الخيالات النافعة ، فعندما ينشغل الخيال بهذا لن يجد ذلك الشخص مكاناً في خيالك، وحينما يزول ذلك الخيال فاعلم أنك قد نجحت في التخلص من هذه المشكلة ، صحيح أنك في البدايات ستتعب = لأن الخيال قد دربته كثيراً على تخيل ذلك الشخص فتحتاج إلى جهد ووقت للتخلص منه ، ولهذا لا تيأس عندما يمضي عليك وقت ولم تستطع التخلص منه بل حاول مرات حتى تنتصر على ذلك الخيال المزعج ، وأعرف من تخلص من هذا المرض بهذه الطريقة ، وهذا العلاج مفيد في كثير من المشاكل وليس فقط لهذه المشكلة .

ومرد كثير من المتاعب في العشق أو غيرها من المواقف المزعجة هو بسبب تدريب الخيال على استرجاع الصور والمواقف والاحتفاظ بها في الذهن وتكرارها دائما ، فوصيتي حين ترى صورة أعجبتك وتلذذت بها أو موقفا مزعجا حصل لك في مجلس أو قاعة دراسية أو غير ذلك أن تصرف الخيال بقوة قدر ما تستطيع عن استرجاعها خاصة في أول الحدث وإذا تجاوزت هذه المرحلة فقد قطعت شوطا كبيرا من الهم والتفكير ويذكرنا هذا الكلام بالحكمة من مشروعية التعزية فمن حكمها قطع صورة الحزن عن الشخص بحيث يلهو بالناس والسلام عليهم ، فلو انفرد بنفسه ولم يخالط الناس لبقي خيال الحزن معه وصاحبه في تلك الفترة مما يؤدي إلى بقائه واستعادة خياله لهذا الحزن فترات عمره فيؤثر فيه ، لأن ذكرى الميت ليست هي المشكلة وإنما تذكر حزنك عليه هي ما يهيجك

3- أن يستحضر الشاب نتيجة ذلك التعلق والعشق وهو العذاب النفسي فيضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة بل وسماعا فلا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر ، وتذكر أنك خلقت كريماً عزيزاً مستقلاً لا تخضع لأحد غير الله ولا تذل لأحد من البشر، والعشق ذل وهوان ، فتكون أسيراً لذلك الشخص ولا تكون سعيداً إلا بوجوده ولا ينشرح صدرك إلا برؤيته ، فيتحكم فيك حكم السيد القاهر الظالم لعبده المقهور بل هو أعظم من ذلك فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن واستعباده أعظم من استعباد البدن فالحرية الحقة حرية القلب ثم تذكر أن كثيراً من قدراتك ستتعطل بسبب ذلك الانشغال الذهني ، ولهذا يتعطل القلب أو يضعف عن شرف عبادة محبة الله التي هي أعظم العبادات

4- لم يتمكن الحب من قلبك إلا بسبب فراغه ، ولهذا يقال : ( العشق حركة نفس فارغة ) فلو كان الشخص مشغولاً بتجارة أو دراسة أو زراعة أو طلب علم لم يجد ذلك العشق مكاناً في القلب ، فعود نفسك أن تكون صاحب همة وتشغل نفسك بما يفيدك ، فحاول أن تطور نفسك بدراسة أو عمل ، أو تحصيل رزق أو غير ذلك مما هو مفيد .

5- أننا لم نر شخصاً تعلق بشخص إلا صار كسلاً ذا همة وضيعة لا يحب العمل ولا يريد تطوير نفسه ، وهذا والله أعلم أن الجزاء من جنس العمل ، ومن كانت همته الآخرة وإرضاء الله صارت همته عالية متجددة وهذا شيء مشاهد .

6 أن يتذكر أنه اذا ابتلي بالعشق وعف وصبر أنه يثاب الجزاء الأوفى فيوسف عليه السلام أحال إخوته في تفضيلهم له عليهم بجواب واحد فقال ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين )

أخيراً أقول إن الصورة لها تعلق بالقلب فالحذر من التمادي في رؤية الحرام لأن هذا يقودك إلى مهالك فالحب يقود الإنسان إلى متاهات ، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن المحبة كرأس الطائر يقودك إلى ما تحب فاحذر أن تحب شيئاً يقودك إلى المهالك .

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

المجيب : الشيخ سليمان بن خالد الحربي .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود
Powered by: MktbaGold 6.6