| 288 - وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم " متفق عليه .
مناسبة هذا الحديث لباب الأمور المكروهة والمستحبة في الصلاة ظاهرة وهي بيان المستحب فيما إذا حضر العشاء والصلاة فبأيهما يبدأ
وقد رواه الشيخان من عدة طرق جاء من طريق الزهري عن أنس ومن طريق أبي قلابة عنه أيضا وله طرق كثيرة في غير الصحيحين
قوله (العشاء): اسم لما يؤكل في العشي. وقد كانوا في الزمن السابق يأكلون عشاءهم قبل صلاة المغرب على وقت إفطار الصائم وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أنس بلفظ " إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم ) وسمي عشاء لأنه في فترة العشي وقد اختلفوا في وقته كما قال الجوهري في الصحاح العَشِيُّ والعَشِيَّةُ من صلاة المغرب إلى العَتَمة. تقول: أتيته عَشِيّ أمس وعَشِيَّةَ أمس. وتصغير العَشِيِّ عُشَيَّانٌ على غير قياس مكبَّرِه، والجمع عُشَيَّاناتٌ. والعِشاءُ، بالكسر والمد، مثل العَشِيِّ. والعِشاءان: المغربُ والعتمةُ. وزعم قوم أنَّ العِشاءَ من زوال الشمس إلى طلوع الفجر ) وقيل إن العشي يبدأ من زوال الشمس إلى غروبها
وليس الحديث فيه تخصيص لصلاة العشي أو المغرب كلا فذكر المغرب من التنصيص على بعض أفراد العام وليس بتخصيص بدليل حديث عائشة عند مسلم " لا صلاة بحضرة طعام "
وقوله (ولا تعجلوا عن عشائكم): أي لا تعجلوا بالذهاب للصلاة عن عشائكم.
وقد جاء هذا الحديث من طرق عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقرير هذا الأصل العظيم فمنها: حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم عن ابن عمر قال
: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه )
وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأيتها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام
وروى البخاري ومسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ( إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء )
ورواه مسلم مطولا من حديث ابْنِ أَبِى عَتِيقٍ قَالَ تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - حَدِيثًا وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلاً لَحَّانَةً وَكَانَ لأُمِّ وَلَدٍ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ مَا لَكَ لاَ تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِى هَذَا أَمَا إِنِّى قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ. هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ - قَالَ - فَغَضِبَ الْقَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيْهَا فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِىَ بِهَا قَامَ. قَالَتْ أَيْنَ قَالَ أُصَلِّى. قَالَتِ اجْلِسْ. قَالَ إِنِّى أُصَلِّى. قَالَتِ اجْلِسْ غُدَرُ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ ».
ـ في الحديث مسائل:
الأولى: اشتهر هذا الحديث بلفظ ( إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء " قال العراقي لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ ) وقال ابن حجر في الفتح : رأيت بخط الحافظ قطب الدين يعني الحلبي أن ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل يعني ابن علية عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن رافع عن أم سلمة مرفوعا ( إذا حضر العشاء وحضرت العشاء فابدأوا بالعشاء ) فإذا كان ضبطه فذاك وإلا فقد رواه أحمد في مسنده عن إسماعيل بلفظ ( وحضرت الصلاة ) ثم راجعت مصنف ابن أبي شيبة فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد)
وقد ذكره ابن الأثير في النهاية بهذا اللفظ
المسألة الثانية: اتفق أهل العلم على أن من قُدّم له العشاء وعلم أن الصلاة لا تفوته أن له أن يأكل حتى ينتهي ما دامت الصلاة لم تحضر وإن دخل الوقت.
المسألة الثالثة: اتفق أهل العلم على أن الصلاة تصح لمن صلى وترك العشاء ولو كانت نفسه تتوق إليه. حكى الإجماع ابن عبدالبر وغيره بدليل ما رواه الشيخان من حديث جعفر بن عمرو بن أمية : أن أباه أخبره أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم يحتز من كتف شاة فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ
إلا أن أهل الظاهر شذوا وقالوا ببطلان الصلاة لحديث عائشة عند مسلم " لا صلاة بحضرة طعام " والحديث والإجماع يرد عليهم وقد ثبت عن جمع من الصحابة أنهم خرجوا للصلاة وتركوا العشاء والنفي لايدل دائما على عدم الصحة بل من معانيه نفي الكمال كما في قوله " لا إيمان لمن لا أمانة له " فعدم الأمانة ليس بمخرج من الإسلام
المسألة الرابعة : اختلف أهل العلم في أيهما يقدم إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة:
القول الأول: أن يقدم أكله حتى يفرغ من جميع نهمته وإن فاتته الجماعة، وهو المشهور من مذهب أحمد والثوري وإسحاق واختاره ابن المنذر. واستدل أحمد بظاهر الحديث فالرسول صلى الله عليه وسلم وجه بالبدأ بالأكل قبل الصلاة ولأن الطعام إذا ترك قد يتلف أو لا يكون كهيئته في أول طبخه ، وقد يتلف أيضا قال الإمام الترمذي في جامعه " باب ما جاء إذاحضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء وعليه العمل عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم منهم أبو بكر و عمر و ابن عمر
وبه يقول أحمد وإسحاق يقولان يبدأ بالعشاء وإن فاتته الصلاة في الجماعة
والذي ذهب إليه أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم أشبه بالاتباع وإنما أرادوا أن لا يقوم الرجل إلى الصلاة وقلبه مشغول بسبب شيء
وقد روي عن ابن عباس أنه قال لانقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء " إ.هـ
القول الثاني: إن كان شديد التوقان إلى الطعام فيبدأ به كالصائم ونحوه وإلا فيبدأ بالصلاة . فيُفرق بين من كان شديد التوقان إلى الطعام وغيره، فشديد التوقان يبدأ بالطعام وغيره يبدأ بالصلاة وهذا المشهور من مذهب الشافعي ورواية عن أحمد وهو ظاهر تبويب ابن حبان في صحيحه قال : " ذكر البيان بأن التخلف عن إتيان الجماعات عند حضور العشاء إنما يجب ذلك إذا كان المرء صائما أو تاقت نفسه إلى الطعام فآذته "
وجمعوا بين هذا الحديث وحديث جعفر بن عمرو بن أمية السابق في الصحيحين أن أباه عمرو بن أمية أخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم يحتز من كتف شاة في يده فدعي إلى الصلاة فألقاها والسكين التي يحتز بها ثم قام فصلى ولم يتوضأ.
القول الثالث: أنه يبدأ بالصلاة إلا إذا كان الطعام يفسد فإن من أسباب ترك الجماعة الخوف على المال. وهذا مذهب وكيع كما أسنده الترمذي في جامعه فقال : سمعت الجارود يقول سمعت وكيعا يقول في هذا الحديث يبدأ بالعشاء إذا كان طعاما يخاف فساده "
وهو واقع بعض الأكلات، قالوا والشريعة تنهى عن إتلاف المال
القول الرابع: أنه إن كان بدأ بالأكل فليتم وإن لم يبدأ فليقدم الصلاة وهذه رواية عن أحمد لظاهر حديث ابن عمر في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم ( إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة )
القول الخامس: وهو عكس المذهب السابق أنه إن أكل فإنه يكتفي بما أكل ويذهب للصلاة، وإن لم يأكل فليأكل ثم ليذهب للصلاة وهو قول عند الحنابلة لأنه أكله سيقطع نهمته وتفكيره
القول السادس: أنه يُفرق بين الإمام والمأموم فالإمام يقوم لأن الناس ينتظرونه وأما المأموم فلا ينتظره أحد وهو ظاهر صنيع البخاري وكأنه جمع بين الأحاديث فالنبي صلى الله عليه وسلم لما آذنه بلال خرج لأنه إمام وغيره أُمر بالأكل لأنه مأموم.
القول السابع: يُفرّق بين مدة الأكل؛ فإذا كانت مدة الأكل قليلة والأكل خفيفا فإنه يأكل، وإذا كانت مدة الأكل تطول ويعلم أنه إذا أكل فتفوت الصلاة فإنه يقدم الصلاة وهذا هو المشهور من مذهب مالك واستدلوا بما رواه أبو داود عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : كنت مع أبي في زمان ابن الزبير إلى جنب عبد الله بن عمر فقال عباد بن عبد الله بن الزبير إننا سمعنا أنه يبدأ بالعشاء قبل الصلاة فقال عبد الله بن عمر ويحك ما كان عشاؤهم ؟ أتراه كان مثل عشاء أبيك ؟
قال القاضي - أي أبو الوليد الباجي - فالحق أن الأمر بالابتداء بالعشاء ليس على الإطلاق وإنما معناه إلى الطعام صائما كان أو غير صائم لكن طعامهم ما كان على مقدار طعامنا اليوم في الكثرة . بل على القصد والقناعة بما فيه البلغة فيبتدئ المحتاج بقدر ما يدفع طوقانه ويتفرغ قلبه للإقبال على صلاته
والصواب والله أعلم هو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد أن مرد ذلك إلى التوقان وانشغال الذهن، وهذا حاصل في رمضان في الإفطار ، فإذا تاق إلى الطعام جاز له ترك الجماعة والصلاة منفردا أو كان الطعام يفسد أيضا فإنه يقدم الأكل مادام الوقت لا يخرج قال البخاري في صحيحه :باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة وكان ابن عمر يبدأ بالعشاء . وقال أبو الدرداء من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ ) فالحكمة هي حضور القلب فإذا كان القلب سينصرف للطعام ولو كان الانصراف قليلا فليؤخر الصلاة وسبق حديث القاسم عن عائشة لما أمرته أن يجلس عند ما قام إلى الصلاة
وأما ما رواه البيهقي عن محمد بن ميمون عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره
فهو حَدِيْث ضَعِيف لا يثبت ومحمد بْن ميمون قَالَ عنه البخاري والنسائي : منكر الحَدِيْث
ولهذا تأخر الأئمة في وقتنا في صلاة المغرب من المحاسن العظيمة من أجل أن يتمكن الناس من قضاء النهمة وحضور الجماعة .
وهنا ننبه إلى مسألة وهي أن بعض الناس يقول إن من السنة التقليل في الإفطار حتى ولو كان الصائم يقوم من إفطاره وهو لا زال يفكر فيه ، وهذا من الخطأ بل هو من الزيادة على السنة، فيترك الناس على ما يشاؤون.
ونحن لا نتكلم عن مسألة الإسراف فالإسراف منهي عنه في جميع الأحوال لكن الشأن أن يقول الإنسان إن من السنة التقليل في الإفطار فهذا المقصود بالتنبيه بل السنة أن يأكل المرء حتى يقطع نهمته
المسألة الخامسة: أن الأصل في الصلاة أن تؤدى بخشوع وخضوع والدليل على هذا أن الطعام إذا كان سيشغل الذهن فإنه يقدم الأكل على الصلاة، وهذا أصل عظيم وهو حضور القلب وهو لب الصلاة وأعظم منافعها قال الله جل وعلا: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} وأجر المصلي إنما هو منوط بخشوعه واستحضاره، ولذا جاء في الحديث كما عند أحمد: (إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها).
فالأجر مترتب على حضور القلب، لكن للأسف نجد في واقعنا أن الإنسان لا يهتم بهذا فتجد الإنسان يصلي وهو مشغول الذهن حتى لا يكاد يتذكر ما قرأ الإمام في الصلاة وما قرأ هو في صلاته.
وانظر إلى عناية الشارع الحكيم بمسألة حضور القلب حيث أجاز تفويت الجماعة مع وجوبها وعظمتها لأجل حضور القلب.
والصلاة كلما كانت تؤدى بخشوع وخضوع فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ، فإذا زاد الخشوع في الصلاة كان الوارد في النهي عن المعصية أكثر، فإذا افترضنا أن النفس أمرته بعشرين معصية فإنه بحسب الخشوع في الصلاة يكون النهي عن هذه المعاصي فقد تمنعه عن عشر أو خمس بحسب خشوعه في صلاته وكذلك قوة وارد النهي
والصلاة تنهى عن الفحشاء وليست تمنع من الفحشاء والمنكر فلا أحد معصوم من الفحشاء والمنكر، فالصلاة ناهية لا كافة لكن الفرق بين المصلي وغيره أن المصلي يجد من اللوم والنهي ما لا يجده غير المصلي، فالمصلي إذا فعل المعصية أو أراد فعلها فإن نفسه اللوامة تنهاه وتلومه على فعل أي معصية بخلاف غير المصلي فليس كل فحشاء ومنكر يجد في نفسه النهي.
المسألة السادسة: هل الأمر في قوله: (فابدأوا) للوجوب أم للاستحباب؟
جماهير أهل العلم على أن الأمر للاستحباب والمخالفة للكراهة
والقول الثاني: أن الأمر للإيجاب والمخالفة للتحريم وأنه إذا ذهب للصلاة ونفسه تتوق إلى الطعام فإنه آثم، وهذا مذهب أهل الظاهر وبعض أهل الحديث كالثوري وغيره
ولا شك أن الصواب هو القول الأول.
|