شرح زاد المستقنع: الدرس الرابع

الدرس
شرح زاد المستقنع: الدرس الرابع
9790 زائر
09/07/2011

ـ قوله : " وإن بلغ قلتين وهو الكثير "

انتقل المؤلف إلى حد الماء الكثير ، وهذه مسألة مهمة جداً ، المؤلف يقول : الماء الطهور لا يكون كثيراً إلا إذا بلغ قلتين .

ومعرفة حد الماء الكثير ينبني عليه مسائل في المذهب ستأتي فلابد من معرفة قدره

وقوله " قلتين "

تثنية قلة والقلة : اسم لكل ما ارتفع وعلا ومنه قلة الجبل وهو أعلاه

وهي هنا الجرة الكبيرة سميت قلة لعلوها وارتفاعها وقيل لأن الرجل العظيم يقلها بيده أي يرفعها

والمراد هنا قلال هجر واستدلوا على ذلك بأنها قيدت في الحديث بقلال هجر لكن الصواب أن كل الطرق التي فيها تحديد بقلال هجر شديدة الضعف وبعضها باطلة

من ذلك ما رواه عبد الرزاق وعنه ابن المنذر من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا قال ابن جريج زعموا أنها قلال هجر

قال ابن المنذر : فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة وقوله : زعموا حكاية عمن لم يسمه ، ولو سماه بعد أن يكون من أهل عصره لم يكن حجة ، ولو كان الذي أخبره ثقة . وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج أنه قال : زعموا أنها قلال هجر ، قال الذي أخبرني عن القلال : فرأيت قلال هجر بعد فأظن كل قلة تأخذ قربتين . فذكر ابن جريج أن الذي أخبره ظن أن كل قلة تأخذ قربتين فالظن غير واجب قبوله إ.هـ

وكذلك استدلوا بالتحديد ما رواه ابن عدي عن المغيرة بن سقلاب عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر وفيه قلال هجر

وهو إسناد باطل مصنوع كما بين ابن عدي بل وبين أن هذه اللفظة غير محفوظة ولم ترد مرفوعة إلا في هذا الحديث

ومن أدلتهم ما جاء في الصحيحين من حديث أنس في قصة المعراج وفيه " ورفعت إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها مثل آذان الفيول وإذا نبقها مثل قلال هجر "

وقلال هجر كانت مشهورة الصفة معلومة المقدار لا تختلف كالصيعان وسيأتي مزيد بيان

وقوله : " خمسمائة رطل عراقي تقريباً "

العلماء حددوا مقدار القلتين بالقرب فقالوا هي خمس قرب لأن ابن جريج قال : رأيت قلال هجر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا " كما رواه البيهقي فالاحتياط إثبات الشيء وجعله نصفا

ومقدار القربة مائة رطل عراقي فتكون القلتان خمسائة رطل عراقي كما قال المؤلف

وقوله " رطل "

الرطل بكسر الراء وهو مكيال جاء في المصباح : قال الفقهاء وإذا أطلق ( الرِّطْلُ ) في الفروع فالمراد به رطل بغداد إ.هـ

والرطل = تسعون مثقالاً باتفاق أهل اللغة

والمثقال لم يتغير لا في جاهلية لا إسلام ولكن تحديده بالمكاييل المعاصرة محل خلاف كبير بين المعاصرين

والعلماء يقولون المثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة لم تقشر وقطع من طرفيها ما دق وطال

وبعض أهل العلم وزنها ووجدها أربع جرامات وربع وبعضهم يرى أنها ثلاث جرامات ونصف

فعلى الأول يكون حساب القلتين :

4.25 × 90 = 382.5 جرام

382.5 × 500 = 191250 جرام = 191.25 كيلو جرام

وليعلم أن حسابه باللتر قريبا من حسابه بالجرام أي ما يقارب من 192 لترا

وقوله " تقريبا "

يعني أن التحديد على سبيل التقريب فلو نقص لترا أو لترين أو ثلاثة أو أكثر لم يؤثر لأن التحديد ليس على سبيل الاحتياط وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة وعليه أكثر الأصحاب وقيل إنه حد وليس بتقريب

هذا هو الحد عند الحنابلة هو القلتان وهو مذهب الشافعية أيضا استدلالا بحديث ابن عمر عند أحمد وغيره قال سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال صلى الله عليه و سلم : " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث "

وهذا الحديث اختلف الحفاظ في تصحيحه وتضعيفه والصواب أن في إسناده نظرا وقد رجح ابن تيمية أنه موقوف على ابن عمر وأبو الحجاج المزي وغيرهما واستدلوا بحديث الأمر بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب ولم يعتبر التغير

وبعض أهل العلم لم يحد الماء الكثير بالقلتين بل حده بالحركة فإن كان إذا حرك أحد طرفيه تحرك الطرف الآخر فإنه قليل وإلا إنه كثير وهو مذهب الحنفية

والراجح هو مذهب الإمام مالك ورواية عن أحمد أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير بنجاسة سواء كان كثيرا أو قليلا فليس للماء حد تتأثر به النجاسة بل النجاسات تختلف بمقدارها وتأثيرها وهذا هو الصواب وذلك لضعف حديث ابن عمر والتحديد يحتاج إلى توقيف وكذلك منطوق حديث أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم " الماء طهور لا ينجسه شيء "

وهذا لقول اختاره ابن المنذر وابن تيمية قال ابن عبد البر : وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر لأنه حديث قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع ولو كان ذلك حدا لازما لوجب على العلماء البحث عنه ليقفوا على حد ما حرمه رسول الله صلى الله عليه و سلم وما أحله من الماء لأنه من أصل دينهم وفرضهم ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه فلقد بحثوا عما هو أدق من ذلك وألطف ومحال في العقول أن يكوم ماءان أحدهما يزيد على الآخر بقدح أو رطل والنجاسة غير قائمة ولا موجودة في واحد منهما أحدهما نجس والآخر طاهر

ومنطوق حديث أبي سعيد أقوى من مفهوم حديث ابن عمر عند من صحح حديث القلتين

وقوله " فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره "

أي إذا خالطت النجاسة الماء الكثير وهو ما بلغ القلتين ولم يتغير هذا الماء فإنه طهور بشرط أن لا تكون هذه النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة

وفي هذه العبارة مسائل :

المسألة الأولى :

الماء الكثير -على الخلاف السابق في تحديد قدر الماء الكثير- إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو طهور وهذا محل إجماع كما نقله ابن المنذر

المسألة الثانية :

إذا وقعت النجاسة في الماء الكثير وغيرته فهو نجس وهذا أيضا محل إجماع نقله ابن المنذر

المسألة الثالثة :

استثنى الحنابلة من النجاسات الساقطة في الماء الكثير بول الآدمي وعذرته المائعة قالوا إنها تنجس الماء مطلقا ولو لم تغيره إلا إذا كان يشق نزح الماء فإنه يبقى على طهارته

وهذا التفريق بين النجاسات هي رواية عن أحمد بل قيل إنها أشهر الروايات عنه واختارها جمع من المتقدمين وهو قول الحسن لحديث أبي هريرة في الصحيحين " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه "

فلم يفرق بين قليله وكثيره

والقول الثاني وهو قول أكثر أهل العلم أنه لا تفريق بين النجاسات وليست نجاسة بول الآدمي بأشد من نجاسة الكلب ومع ذلك لم تستثن وأما حديث أبي هريرة فليس المقصود به هو بسبب نوع النجاسة بل إما لكونه قليلا فيؤدي إلى التنجيس وإما لأنه يؤدي إلى استقذاره وإفساده على المسلمين بدليل أن الجنب نهي عن الاغتسال أيضا مع أن بدنه طاهر ولكن النهي سد للذريعة لأنه قد يفضي إلى تنجيسه

وقوله " عذرته المائعة "

اشترط أن تكون مائعة وهو أحد الوجهين عند الحنابلة وذلك لأن المائعة هي التي تتفرق أجزاؤها

والوجه الثاني أن تكون مائعة أو رطبة

وعلم منه أن اليابسة لا تؤثر في الكثير

وقوله " أو خالطه البول أوالعذرة ويشق نزحه كمصانع طريق مكة فطهور "

هذه المسألة الرابعة :

استثنى الحنابلة من عدم تنجيس بول الآدمي وعذرته إذا كان يشق نزحه وقد صرح في الشرح الكبير بإجماع أهل العلم على ذلك فقال : لا نعلم خلافا أن الماء الذي لا يمكن نزحه إلا بمشقة عظيمة مثل المصانع التي جعلت موردا للحاج بطريق مكة يصدرون عنها ولا ينفد ما فيها أنها لا تنجس إلا بالتغيير قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الماء الكثير كالرجل من البحر ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا انه بحالة يتطهر منه إ.هـ

وقوله " مصانع "

مصانع واحدتها مصنعة ومصنع قال الجوهرى: المصنعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنعة بضم النون.

وقال الأزهري في تهذيب اللغة : هي أحباس تتخذ للماء، واحدها مصنعة ومصنع. قلت: وسمعت العرب تسمى أحباس الماء: الأصناع والصنوع، واحدها صنع. وروى أبو عبيد عن أبي عمرو قال: الحبس مثل المصنعة، قال: والزلف: المصانع. قلت: وهي مسَّاكاتٌ لماء السماء يحتفرها الناس فيملؤها ماء السماء " يشربونها.إ.هـ

ومصانع طريق مكة هي أحواض كبيرة يشرب منها الناس في طريقهم إلى مكة وبعض آثارها موجودة إلى الآن في وقتنا

( تنبيه )

المؤلف صرح باستثناء بول الآدمي وعذرته وفي أصل الكتاب وهو المقنع لابن قدامة عبارته بالنص " إلا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة " ولم يصرح بأن المقصود هو الإنسان ولهذا قال ابن أبي موسى " أو كل نجاسة " يعني كالبول والغائط ولم يخصص نجاسة الإنسان وقد ذكر هذا القاضي من أصحابنا إلا أن المرداوي في الإنصاف قال : " بول الآدمي بلا ريب بقرينة ذكر العذرة فإنها خاصة بالآدمي وهو المذهب وقطع به الجمهور مصرحين به "

هذه هي مسائل هذه العبارة وسبق أن الصواب أن الماء ليس له حد والمناط هو تغير الماء بالنجاسة قل أو كثر والله أعلم

   طباعة 
31 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 2 = أدخل الكود
جديد الدروس
جديد الدروس
ذكر لام هل وبل - شرح متن الشاطبية
تاء التأنيث - شرح متن الشاطبية
ذكر دال ( قد ) - شرح متن الشاطبية
باب الإظهار والإدغام - شرح متن الشاطبية
أهم مسائل المسح على الخفين - الدروس والمقالات
Powered by: MktbaGold 6.6