| وقوله :" من مقنع الإمام الموفق أبي محمد "
المقنع من أشهر الكتب والمتون الحنبلية ، اهتم به أصحابنا اهتماماً عظيماً وشرحوه ، واختصروه ونظموه واستدلوا له ، فتنوعت خدمة هذا الكتاب واهتم به العلماء اهتماماً عظيماً ما بين مختصر وما بين محشٍّ وما بين شارح وما بين مستدل وما بين ناظم وكل هذا وجد في القرون السابقة .
حتى قال عنه المرداوي رحمه الله : كتاب المقنع من أعظم الكتب نفعا وأكثرها جمعا وأوضحها إشارة وأسلسها عبارة وأوسطها حجما وأغزرها علما وأحسنها تفصيلا وتفريعا وأجمعها تقسيما وتنويعا وأكملها ترتيبا وألطفها تبويبا قد حوى غالب أمهات مسائل المذهب فمن حصلها فقد ظفر بالكنز والمطلب فهو كما قال مصنفه فيه جامعا لأكثر الأحكام ولقد صدق وبر ونصح فهو الحبر الإمام فإن من نظر فيه بعين التحقيق والأنصاف وجد ما قال حقا وافيا بالمراد من غير خلاف )
وقوله ( الإمام الموفق أبي محمد )
هو العلامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي ولد بجماعيل بفلسطين سنة ( 541هـ) ارتحل إلى دمشق وارتحل إلى مكة للحج وفي كل بلد يلتقي بالعلماء ويقرأ عليهم قال ابن تيمية رحمه الله : ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق "
وتوفي سنة ( 620هـ) وقد ألف كتبا كثيرة في المذهب ومن أعظمها كتاب المغني وهو فقه مقارن وموسوعة فقهية ضخمة
ـ قوله : " على قول واحد هو الراجح في مذهب أحمد " :
كتاب المقنع فيه روايات ، ومؤلفه ابن قدامة رحمه الله يذكر المسألة والروايات في المذهب : فيقول مثلاً ( وإن سخن بنجاسة فهل يكره استعماله ؟ على روايتين )
وهكذا فالمؤلف يقول سأختار رواية واحدة أو وجها واحدا أو قولا واحدا ولا أذكر الخلاف فيها في المذهب من أجل الاختصار وهذا الاختيار حسب ما يظهر له ويرجحه رحمه الله في المذهب
وقد قام المرداوي في كتابه التنقيح المشبع بتحرير أحكام المقنع بدراسة المقنع والترجيح بين الروايات والأوجه والأقوال بل والمعارضة أحيانا في الاختيار حتى وصفه الفتوحي في منتهى الإرادات بقوله : وبعد فالتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع قد كان المذهب محتاجا إلى مثله ) وكذلك امتدحه ابن بدران في كتابه المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل
وهاهو الحجاوي يقول أيضا بأنه سيختار ويرجح
وقوله : " وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع "
أي ربما يحذف المختصر منه مسائل نادرة الوقوع ليس للطلاب فيها نفع ، وهذا شيء طيب أن يحذف المؤلف بعض المسائل التي ليس فيها فائدة ، وإنما هي تطويل ورياضة للذهن وشحذ للهمة
ولم يكتف المؤلف بحذف المسائل النادرة بل حذف بعض المسائل ابتغاء الاختصار وقد حذف كثيرا من المسائل وهذا شرط الاختصار
ـ قوله :" وزدت ما على ما مثله يعتمد "
أي أن المختصر زاد مسائل على الأصل وهو كذلك فقد زاد على الأصل مسائل عدة وهذه الزيادات تنقسم إلى أقسام :
1 – أن لا تكون في الأصل أبدا كالحدود والتعريفات فبعض التعريفات ليست في الأصل كتعريف الطهارة والإحرام والشركة والعارية والأرض الموات وغيرها أو تكون هناك مسائل لا توجد في الأصل وهذا أيضا كثير
2 – أن يزيد قيدا في المسألة ليس في الأصل وهذا من أكثر الزيادات وهي التي تدور عليها عامة الزيادات وهي بالمئات كمثل قول ابن قدامة في المقنع " ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع في إحدى الروايتين " قال الحجاوي " ويستحب انتظار داخل مالم يشق على مأموم " فخالفه في الاختيار وزاد عليه هذا القيد
3 – أن يزيد نظائر للمسألة وهذا قليل كمثل قوله في باب الإحرام " سن لمريده غسل أو تيمم لعدم " فقوله "أو تيمم لعدم" زيادة من الماتن
وكمثل قوله في كتاب النفقات " ومن حبست ولو ظلما أو نشزت أو تطوعت بلا إذنه صوم أو حج أو أحرمت بنذر حج أو صوم أو صامت عن كفارة أو قضاء رمضان مع سعة وقتة أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت" فزاد الماتن الحبس والنذر بصوم وكذلك قوله أو صامت عن كفارة أو قضاء رمضان مع سعة وقته
4 – أن يخالف اختيار الموفق وهذا أيضا فيه مسائل عديدة خالف فيها الأصل كما سيأتي في حينه إن شاء الله
وقد ذكر أهل العلم أن هذا الكتاب فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسألة منصوصة ، ومثلها بدلالة المفهوم بل إن بعض أهل العلم قال : جردت الزاد فوجدت فيه أكثر من ثلاثين ألف مسألة ، ولا يستغربهذا العدد أبدا فالمرداوي : رحمه الله في كتاب الإنصاف لما جاء إلى مسألة مس ذكر الخنثى هل ينقض الوضوء استخرج منها اثنين وسبعين صورة فتأمل كيف استخرج من بضع كلمات هذا العدد وقد ذكرها الماتن بنصها
وقوله ( إذ الهمم قد قصرت )
الهمم جمع همة وهو مشتق من الهم إلا أن بينهما فرقا قال العسكري في الفروق الفرق بين الهمة والهم: أن الهمة إتساع الهم وبعد موقعه ولهذ يمدح بها الانسان فيقال فلان ذو همة وذو عزيمة، وأما قولهم فلان بعيد الهمة وكبير العزيمة، فلان بعض الهمم يكون أبعد من بعض وأكبر من بعض، وحقيقة ذلك أنه يهتم بالامور الكبار، والهم هو الفكر في إزالة المكروه واجتلاب المحبوب ومنه يقال أهم بحاجتي )
فالمؤلف يقول عن أهل عصره بأن الهمم قد قصرت وقلت في طلاب العلم في زمنه فكان هذا سبب الاختصار
وقوله ( والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت )
أي وأسباب التثبيط عن طلب العلم والجد فيه قد كثرت فالصوارف عن العلم والاستكثار منه تنوعت وتجددت بطريقة ليست في زمان سابق
وهذا في زمان المؤلف فكيف لو رأى زماننا مع تنوع الصوارف وكثرة الشواغل وقلة البركة في الوقت والله المستعان
وقوله ( ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل )
وهذا ثناء من المؤلف على كتابه وهو أمر مستحسن لمن قصده إفادة القارئ عن أهمية الكتاب
وقد صدق رحمه الله فالكتاب على صغر حجمه إلا أنه حوى مهمات الفقه
وقوله ( ولا حول ولا قوة إلا بالله )
هذه الحوقلة كنز من كنوز الجنة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي موسى الأشعري كما في الصحيحين ومعناها كما قال النووي الحول الحركة والحيلة أى لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى وقيل معناه لا حول فى دفع شر ولا قوة فى تحصيل خير إلا بالله وقيل لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولاقوة على طاعته إلا بمعونته وحكى هذا عن بن مسعود رضى الله عنه وكله متقارب
وإنما صارت كنزا لأنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالاذعان له وأنه لاخالق غيره ولاراد لأمره وأن العبد لايملك شيئا من الأمر
وكما أن الكنز شيء نفيس مدخر فكذلك الحوقلة كنز وثواب مدخر فى الجنة
وقوله ( وهو حسبنا ونعم الوكيل )
الحسب هو الكفاية أي كافينا
وقوله ( ونعم الوكيل ) الوكيل أي الموكول إليه تدبير الخلق والقائم بمصالحهم وحافظهم
وهي كلمة عظيمة فيها من التوكل والاستغناء بالله عن غيره
كتاب الطهارة
ابتدأ بها المؤلف على عادة المؤلفين ، والحكمة في ذلك ظاهرة ، وهي أن الصلاة أوجب ما على المسلم فينبغي للإنسان أن يعرف شرط الصلاة وهو الطهارة .
ـ قوله : " وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث "
الطهارة في اللغة : النظافة .
وفي الاصطلاح عرفها المؤلف بقوله : ارتفاع الحدث ، وما في معناه ، وزوال الخبث
إذن المؤلف عرّف الطهارة بأنها تتكون أو تتضمن من ثلاثة أشياء :
1 ـ ارتفاع الحدث : فارتفاع الحدث يسمى طهارة وهو زوال الوصف المقتضي للمنع من الصلاة ونحوها فمن رفع حدثه يقال له تطهر .
والمؤلف عبر بقوله ارتفاع ولم يعبر كما عبر كثير من الحنابلة برفع فهل بينهما فرق ؟
أجاب البهوتي عن هذا بقوله : لم يقل رفع الحدث كما قال جمع لأنه تعريف للتطهير لا للطهارة لكن سوغه كون الطهارة أثره الناشيء عنه
2 ـ زوال الخبث : فمن أزال النجاسة يسمى متطهراً ويقال له : تطهر .
3 ـ وما في معناه : قال أهل العلم أنه : ما كان فيه طهارة وليس فيه رفع للحدث ، كغسل الميت مثلا لأنه تعبدي وليس عن حدث وكذلك تجديد الوضوء فإذا تجدد الإنسان لا يقال عنه إنه رفع الحدث ، ولكن يقال له : تطهر ، وكذلك ما زاد على المرة والمرتين في الوضوء وكذلك ذكروا المستحاضة أو من به سلس بول ـ عافنا الله وإياكم ـ فإنه يتوضأ ولكن الحدث موجود ، ومع ذلك نقول إنه تطهر ، إذن هذا في معنى رفع الحدث ويلاحظ أن الضمير في قوله ( معناه ) عاد على الارتفاع دون الحدث لأنه الأصل وليس شيء مما اقتضى الطهارة مما ذكر في معنى الحدث
إذن نقول : الطهارة تطلق على ثلاثة أشياء : الأول : رفع الحدث ، والثاني : زوال الخبث ، والثالث : ما في معنى رفع الحدث .
ـ قوله :" المياه"
جمع ماء وأصله موه انفتحت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصارت ماه ثم قلبت الهاء همزة فصارت ماء لان الهاء عندهم من الحروف الخفية وكذلك الالف فكرهوا وقوع حرف خفي بعد مثله فأبدلوا الهاء همزة لقربها منها في المخرج، فإذا صغرا ضم أولهما فيزول سبب قلب عينهما ألفا وسبب قلب لامهما همزة فتكون "مويه "
وجمع لتنوعه ، فإن قيل لم جمع جمع كثرة ( فعال ) وجمع الكثرة لما فوق العشرة ؟
والجواب من وجهين :
الأول أن فعالا جمع قلة عند الكوفيين
والثاني : جُمع جَمع كثرة لكثرة ما في الدنيا منه
وقوله " ثلاثة ": أي أقسام المياه وسيذكرها المؤلف : طهور وطاهر ونجس
وهذا على رأي الجمهور ؛ أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام : طهور ، وطاهر ونجس : فالطهور : هو الماء الذي خلقه الله جل وعلا وأنزله وهو الباقي على خلقته دون أن يتغير أو يتأثر .
والثاني النجس : وهو ما تغير بنجاسة ،
والثالث : هو ماء ولكنه ليس بمطهر . كيف كان طاهراً وليس بمطهر ؟ قالوا : بأن الماء له صفتان : أ ـ الطهورية : هو طاهر في نفسه . ب ـ التطهير . ولا يوجد سائل يحمل هاتين الصفتين إلا الماء . فله صفتان : فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره فينقل الطهارة التي فيه إلى غيره ، والتراب يحمل هاتين الصفتين عند عدم الماء فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره ، فالطاهر افتقد صفة واحدة وهي صفة التطهير هذا هو مذهب جمهور أهل العلم : أن المياه ثلاثة ، وفي المسألة خلاف بين أهل العلم في أقسام المياه
والصحيح من كلام أهل العلم أن المياه قسمان وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد واختاره ابن تيمية ،وقالوا لم يأت عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ماءً لا يطهر وهو ليس بنجس، فلا يمكن أن يوجد ماء ليس بنجس ولا يطهر هذا لا يوجد كما سيأتي في ذكر الأدلة
ـ قوله : " وهو الباقي على خلقته "
إذن القسم الأول هو الماء الطهور مثل مياه البحار ومياه الأنهار أي المياه الباقية على خلقتها وهي الطهورية بأن لم يطرأ عليه وصف يقيده فيخرجه عن الإطلاق فمياه البحار وما نزل من السماء ونبع الأرض وذوب الثلج والبرد كله باق على خلقته
ويعبر بعض الحنابلة بقوله ( وهو المطلق ) وهذا احتراز من المقيد كماء الورد والباقلاء والحمص وما أشبه ذلك من الطاهرات وليعلم أن هذا القيد لازم لا يفارق اسمه اسم الماء في وقت من الأوقات وسيأتي حكمه
بخلاف المقيد بقيد عارض كماء النهر والبحر فوجود القيد وعدمه فيه سواء لا يخرجه عن طهوريته
ـ قوله : " طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس ":
الحدث هو : وصف قائم بالبدن يمنع مما تشترط له الطهارة ، فالشخص المحدث لا يمكن أن تعلم أنه محدث لأنه وصف معنوي لا يشاهد " قائم بالبدن " لا يرى ، لكنه يمنع مما تشترط له الطهارة
قوله : " ولا يزيل النجس " أي لا يزيل الشيء النجس إلا الماء
والنجس ( الخبث ) عكس الحدث : عين قائمة في البدن ـ لها جرم ـ ولهذا أستطيع أن أقول هذا عليه نجاسة ، ولا أستطيع أن أقول هذا محدث أو غير محدث لأن الأول محسوس والثاني غير محسوس
وقول المؤلف" لا يزيل النجس الطارئ غيره "
علم منه أن هناك نجاسة ليست بطارئة فلا يزيلها الماء فهناك نجاسات ليست طارئة وإنما أصلها النجاسة فلا يزيلها الماء وإنما يزيل الماء النجاسة الطارئة .
ـ قوله :" فإن تغير بغير ممازج ":
انتقل المؤلف إلى ما يخالط الماء فقال :
( فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور)
هذا قسم ، وهو ما خالط الماء وليس بممازج له فهذا حكمه بقاء الطهورية مثل قطع الكافور
والكافور رائحته نفاذة وشديدة جداً ، وله طعمه الخاص ، فلو جاء شخص وألقى في الماء قطع كافور ، فهو طهورولو تغير طعمه به لأنه تغير بغير ممازج
ولكنه يكره عند المؤلف كما سيذكره بعد قليل فيبقى على طهارته ولكنه مكروه
إذن هذا القسم الأول من المتغير وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أنه طهور وهو مذهب الحنفية والشافعية
لماذا لم يسلبه الطهورية مع أنه تغيّر ؟ لأنه لم يغيّر اسم الماء فاسم الماء باق ، لكن الحنابلة كرهوا استعماله وسبب الكراهة قال أهل العلم : لوجود الخلاف ، ولكن هذا الكلام عليل ، ولا يكره شيء لوجود الخلاف مع أن الخلاف فيه ضعيف ، وقيل : كره لأجل تغيّره فيخشى من ضرره .
قوله ( ودهن )
كذلك الدهن إذا خالط الماء وتغير فإنه لا يسلبه الطهورية لأنه غير ممازج ولو تغير الماء وتأثر بهذا الدهن فإنه لا يسلبه الطهورية مع كراهته كما سبق في قطع الكافور إذن هذا هو القسم الأول
|