شرح زاد المستقنع: الدرس الأول

الدرس
شرح زاد المستقنع: الدرس الأول
1999 زائر
08/06/2011

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وزدنا علماً وعملاً يا كريم ، واجعل ما علمتنا حجة لنا لا علينا وبعد :

فإن علم الفقه من أهم العلوم ومن أوجبه فيما يجب على الإنسان معرفته ولهذا حرص أهل العلم على علم الفقه حرصاً واضحاً ممثلاً بكثرة التأليف ، وبكثرة الوصاية لطلابهم بهذا العلم الشريف ولهذا قال الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ : معرفة الحديث وفقهه أعجب إليّ من حفظه . وقال أيضا : يعجبني أن يكون الرجل فهما في الفقه

وقد قال ابن الجوزي : بضاعة الفقه أربح البضائع ، وقد أوصى الأئمة نلامذبهم بالفقه لأن عليه مدار العلوم لأن الفقيه ينفع نفسه وينفع غيره فيما علم ، ولهذا تجد أن الفقهاء أنفعُ للناس من غيرهم فهم الذين يشرحون صفة الصلاة والطهارة والحج والزكاة ، وعلى كل ما يلزمهم من علاقةٍ أسرية من نكاح ومن طلاق وأمور أخرى . ولهذا قال ابن الجوزي : إن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه فإنه الأنفع .

فكن حريصاً كل الحرص على أن تواصل في هذا العلم ، ولا تملّ ولا تكلّ ،

ومن أنفس مختصرات الحنابلة كتاب زاد المستقنع فهو على قصره إلا أنه كتاب مبارك اعتنى فيه العلماء وتأهلوا من خلال مدارسته وتأتي خصائصه من عدة أمور :

1 – أن أصله كتاب المقنع لإمام المذهب ابن قدامة المقدسي

2 – أن أصله اعتنى به الحنابلة بالشرح والاستدلال فجميع مسائل المختصر أدلتها موجودة في هذه الشروح

3 – أن هذا المؤلف اعتنى به علماؤنا المعاصرون فسهلوا عبارته ورجحوا بناء على الدليل

4 – أن مؤلفه فقيه أصولي وعبارته عبارة دقيقة تعطي الطالب لغة الفقيه وهذه مهمة لطالب الفقه

إلى غير ذلك من الخصائص

والله أسأل أن يوفقنا لما فيه الخير وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح

= شرح الكتاب :

المقدمة

قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم )

الباء : حرف جر . والاسم : اسم مجرور ، والجار والمجرور له متعلَّق محذوف مقدر : تقديره أبدأ أو أؤلف .
أي أبدأ بفعلي ببسم الله الرحمن الرحيم
الله : لفظ الجلالة مشتق عند أهل السنة ، بمعنى المألوه المحبوب المعبود ، وأصل الله الإله ، فحذفت الهمزة تخفيفا لأن العرب كلما أكثروا من كلمة وفيها همزة يحذفونها للتخفيف ، فعندهم الهمزة ثقيلة وهي من حروف الشدة ' أجد قط بكت ' ، فالهمزة شديدة ، فحذفنا الهمزة فبقي الله ـ بتخفيف اللام ـ وعندنا قاعدة : أن لفظ الجلالة إذا سبقت اللام فيه بمفتوح تفخم اللام .
قال بن الجزري ـ رحمه الله تعالى ـ :
'وفخِّم اللام من اسم الله ' .........................
فصارت الله ـ بتفخيم اللام ـ .
وهنا نكته في قوله ' بسم الله ' : وهي أن الاسم ليس خاصا ، بل التبرك بأسماء الله كلها لأن الإضافة تفيد العموم ، فقولنا بسم الله : أي أبدأ بأسماء الله كلها متبركا بها ، لأن أسماء الله جل وعلا كلها مباركة ، فما ذكر عند ذبيحة إلا أصبحت مباركة ، ولا ذكر عند شرب إلا أصبح مباركا وهكذا
الرحمن الرحيم : اسمان مشتقان لله جل وعلا ، فالرحمن بمعنى الرحمة العامة ، والرحيم بمعنى الرحمة الخاصة أو الواصلة .

وقوله ( الحمد )

الحمد مصدر حمد يحمد حمدا وهو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم أو هو الثناء على الله تعالى بجميل أوصافه

واختلف الناس في الحمد والشكر أيهما أعم والصواب الذي حققه أبو العباس ابن تيمية أن بينهما عموما وخصوصا من وجه فالحمد أعم من جهة أسبابه والشكر أعم من جهة أنواعه

واللام في الحمد قيل للجنس وقيل للعهد

وقوله ( لله )

اللام للاستحقاق

وقوله ( حمدا لا ينفد )

أي لا ينتهي ولا ينقطع نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفاداً ونفوداً إذا ذهب وفنى ، وأما نفذ بالذال المعجمة فبفتح العين ومضارعه ينفذ بالضم وقد جاء في حديث علي رضي الله ( لا أحصي ثناء عليك أنتك كما أثنيت على نفسك ) وهو مسحتق لذلك لأن كمالاته لا تنفد

وقوله : ( أفضل ما ينبغي أن يحمد )

وصف لهذا الحمد بأنه أفضل حمد وقد جاءت الأخبار الصحيحة بأن الحمد من أفضل الأذكار فقد جاء في صحيح مسلم أن الحمد لله تملأ الميزان وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) وقال الحسن: ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها.

وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ) وروى ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم: (أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء وقالا يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله عزوجل وهو أعلم بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها).

قال القرطبي رحمه الله : اختلف العلماء أيما أفضل، قول العبد: الحمد لله رب العالمين، أو قول لا إله إلا الله ؟ فقالت طائفة: قوله الحمد لله رب العالمين أفضل، لان في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط.

وقالت طائفة: لا إله إلا الله أفضل، لانها تدفع الكفر والاشراك، وعليها يقاتل الخلق

وقوله ( وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد )

ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحمد له هو عبارة العلماء رضي الله عنهم وقد جاء عن مجاهد في قوله تعالى ( ورفعنا لك ذكرك ) قال لا أذكر إلا ذكرت وذكر الشهادتين

والصلاة على النبي قال كثير من أهل اللغة هي بمعنى الدعاء والتبريك يقال صليت عليه أي دعوت له وزكيت وقال المبرد : الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة

وذكر البخاري في صحيحه عن أبي العالية أن الصلاة هي ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى

وقوله ( أفضل المصطفين محمد )

ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع وأول مشفع) -عليه الصلاة والسلام-فاختاره الله -سبحانه وتعالى-، واصطفاه على خلقه كما في الحديث: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) فهو -عليه الصلاة والسلام- أفضل الناس.

وقال -عليه الصلاة والسلام-: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) وهو أفضل الناس، وسيد المرسلين، وسيد ولد آدم، فهو أفضل الناس -عليه الصلاة والسلام- على الإطلاق. وأما ما جاء في بعض الأحاديث من النهي عن تفضيله كحديث: (لا تفضلوني على موسى) ورواية: (لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأجد موسى باطشا بساق العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله وفي لفظ: (لا تفضلوني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور) وهذا الحديث له سبب، وهو أن يهوديا قال: (والذي اصطفى موسى على العالمين"، فسمعه مسلم فلطمه، قال: أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟ فاشتكاه، فجاء اليهودي واشتكى المسلم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفضلوني على موسى ولا تخيروني على موسى) .

وعليه فيكون النهي محمول على ما إذا كان التفضيل على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس، وهذا منهي عنه، أو يكون التفضيل على وجه الفخر. أو كان على وجه الانتقاص للمفضول

وقوله ( المصطفين )

الاصطفاء: الاختيار، افتعال من الصفوة، ومنه النبي المصطفى، والأنبياء المصطفون، وهو من المُصطفين: إذا اختيروا، وهو المصطفون: إذا اختاروا، هذا بضمِّ الفاء.

والمصطفين جمع مصطفى وهو اسم مقصور وجمع المقصور يكون ي

بحذف ألفه وتبق الفتحة، بعد حذفها، دلالةً عليها، فتقول في جمع مصطفى "مصطفَوْن"، ومنه قولُه تعالى {وأنتمُ الأعلَونَ}، وقوله {وإِنهم عندَنا لَمِنَ المُصطفَيْنَ الأخيارِ"،

وقوله ( محمد )

سمي صلى الله عليه وسلم محمدا لكثرة خصاله المحمودة وهو علم منقول من التحميد مشتق كأحمد من اسمه تعالى الحميد قال حسان رضي الله عنه :

وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

ولما شاع قبيل ولادته صلى الله عليه وسلم أن نبيا يظهر واسمه محمد من العرب سمى جماعة أبناءهم الذين ولدوا في تلك الايام محمدا رجاء أن يكون هو وأما أحمد فلم يسم به أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم

وقوله ( وعلى آله )

الصحيح أن آل النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه على دينه اختار هذا القاضي والمجد أبو البركات وابن قدامة وابن تيمية وغيرهم

وقوله ( وأصحابه )

أصحاب جمع صحب كفرخ وأفراخ والصحابي هو من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه مؤمنا به ولو للحظة وهو اختيار الإمام أحمد وله من الصحبة على قدر ما صحبه وهذا مذهب الشافعي ، قال الإمام البخاري في صحيحه : بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رَآهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ

وقوله ( ومن تعبد )

أي وأصلي كذلك على من تعبد لله فهو من جملة المؤمنين والعبادة في اللغة : الذل والخضوع ، يقال : بعير معبد ، أي : مذلل ، وطريق معبد : إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام .

وشرعا : هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة

وقوله ( أما بعد )

كلمة يؤتى بها عند الانتقال من اسلوب إلى غيره وقد كان صلى الله عليه وسلم يقولها في خطبه

و ( أما ) حرف تفصيل ضمنت معنى الشرط

و ( بعد ) ظرف زمان وربما استعلت للمكان وتقطع عن الإضافة فتبنى والمشهور ضم الدال وأجاز الفراء نصبها وضمها بالتنوين فيهما وأجاز ابن هشام فتح الدال وأنكره النحاس

ـ قوله : " فهذا مختصر في الفقه "

قوله ( هذا )

اسم الإشارة قد يعود على ما في الذهن أو قد يكون كتب المقدمة بعد انتهائه من الكتاب

وقوله ( مختصر في الفقه )

سمّاه المؤلف مختصرا في الفقه ، ولم يسمّه زاد المستقنع وهذا ما يترجح أن تسمية زاد المستقنع ليست من المؤلف رحمه الله وتسمية زاد المستقنع متأخرة جداً ، ولم يعرف أن المؤلف سماه : زاد المستقنع ، وإنما انتشر عند المتأخرين ولهذا جميع النسخ الخطية المتقدمة ليس فيها هذه التسمية وإنما كتب عليه مختصر المقنع وهي بمعنى ما جاء في المقدمة واسم زاد المستقنع وجد على بعض المخطوطات المتأخرة بعد المائة والألف فالتسمية للكتاب المشهورة هي مختصر المقنع هكذا .

وقوله ( مختصر )

من اختصر يختصر اختصارا والمختصر اسم مفعول وهو تقليل اللفظ وتكثير المعنى

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 5 = أدخل الكود
جديد الدروس
جديد الدروس
ذكر لام هل وبل - شرح متن الشاطبية
تاء التأنيث - شرح متن الشاطبية
ذكر دال ( قد ) - شرح متن الشاطبية
باب الإظهار والإدغام - شرح متن الشاطبية
أهم مسائل المسح على الخفين - الدروس والمقالات
Powered by: MktbaGold 6.6