| باب الإدغام الكبير
الإدغام لغة: الإدخال .
واصطلاحاً: إدخال حرف بحرف فيصيران حرفا واحدا مشددا .
وقوله ( الإدغام الكبير ) ضد الصغير
فالإدغام الكبير يطلق على الحرفين المتحركين.
والإدغام الصغير إذا كان الحرف الأول ساكنا والثاني متحركا إن كانا متماثلين فجميع القراء على إدغام الأول في الثاني مثل ( وقد دخلوا ) وقوله ( اضرب بعضاك )
والإظهار هو الأصل لأنه لا يحتاج إلى سبب بخلاف الإدغام
سمي الكبير كبيرا: لأنه يكثر العمل فيه من تسكين الأول ثم الإدغام
وقيل لما فيه من الصعوبة وقيل لما فيه من تأثيره على إسكان المتحرك.
وقيل لشموله المثلين والمتجانسين والمتقاربين .
وقد بدأ المؤلف بباب الإدغام الكبير بعد أم القراءة كصاحب التيسير لأن الفاتحة وقع فيها إدغام كبير عند قوله تعالى ( الرحيم ملك )
116- ودونك الإدغام الكبير وقطبه أبو عمرو البصري فيه تحفلا
أي وخذ والزم الإدغام الكبير ورأسه وقطبه أبو عمرو البصري من رواية السوسي.
وقد أورد الشراح إشكالا كبيرا وهو لم نسب الشاطبي الإدغام الكبير لأبي عمرو مع أنه للسوسي عن أبي عمرو؟ والجواب أنه تبع الداني في التيسير ولكن يبقى السؤال لم جعلاه لأبي عمرو مع أن الناظم كان يقرئ به للسوسي فقط
والجواب: أن السوسي عنه أخذ وإليه أسند
وكذلك أنه جاء الإدغام عن اليزيدي عن أبي عمرو من طريق الدوري والسوسي
وعليه فباب الإدغام الكبير من طريق الشاطبية والتيسير خاص بالسوسي قولا واحدا
وليعلم أن الإدغام الكبير يكون في المثلين والمتقاربين وكل منهما يكون في كلمة وفي كلمتين
117- ففي كلمة عنه مناسكم وما سلككم وباقي الباب ليس معولا
سبق أن الإدغام يكون في مثلين وفي متقاربين وكل منهما يكون في كلمة ويكون في كلمتين فبدأ أولا بإدغام المتماثلين من كلمة واحدة
فقال إن أبا عمرو لم يدغم المتماثلين في كلمة واحدة إلا في كلمتين:
( مناسككم ) في قوله تعالى ( فإذا قضيتم مناسككم ) وكلمة ( ما سلككم ) فقط ، أما: جباههم ، وجوههم ، بشرككم ونحوها فلم يدغمها وهذا معنى قوله ( وباقي الباب ليس معولا ) أي عليه فهذه الكلمات وما شابهها غير داخلة
س: لماذا خص هاتين الكلمتين؟
ج- قيل : جمعا بين اللغتين ، وقيل لثقلهما .
( فائدة ) :
قال السمين الحلبي ينبغي أن يقرأ ( مناسككم ) في النظم بالفك – أي فك الإدغام – لأنه إذا قرئ باالإدغام لم يستقم وزن البيت إلا بضم الميم موصولة بواو فيؤدي إلى أن أبا عمرو قرأه كذلك وليس الأمر كذلك نعم جائز قراءته كذلك من حيث اللغة وليس هناك ضرورة لضم الميم )
118- وما كان من مثلين في كلمتيهما فلا بد من إدغام ما كان أولا
انتقل إلى الإدغام من كلمتين إذا كان آخر الكلمة الأولى هو أول الكلمة الثانية فمتى التقى المثلان المتحركان فالسوسي يدغم الحرف الأول في الثاني سواء كان الحرف الذي قبل الأخير من الكلمة الأولى ساكنا أو متحركا أو حرف مد لكن سيذكر شروطا للإدغام ستأتي
والإدغام من كلمتين وارد في القرآن في سبعة عشر حرفا وأهمل في عشرة فلم يلتقيان في القرآن وبقي من الحروف الهمزة فقد التقتا كثيرا في القرآن كما في ( جاء أمرنا ) وسيعقد المؤلف بابا خاصا للهمزتين من كلمتين إذا اتقيتا يختلف عن باب الإدغام فله أحكام خاصة به
119- كيعلم ما فيه هدى وطبع على قلوبهم والعفو من أمر تمثلا
بدأ بذكر الأمثلة :
يعلم مابين أيديهم ( لَمُ ، مَـ ) يدغمان .
طبع على قلوبهم ( عَ ، عَـ ) يدغمان .
وهذا المثالان تحرك فيه ما قبل الحرف المدغم
فيه هدى ــــــ ( يـهِ هُـ ) يدغمان
وهذا المثال سكن ما قبل الحرف المدغم حرف مد أو علة وليعلم أنه إذا كان كذلك جاز في حرف المد قبل الحرف المدغم ثلاثة أوجه : القصر والتوسط والطول
العفو وأمر ( فْوَ ، وَ ) يدغمان .
وهذا المثال سكن ما قبل الحرف المدغم وهو حرف صحيح
ولينتبه إلى أن الحرف الثاني سيكون مشددا
أمثلة ( لذهب بسمعهم ) ، ( غير ذات الشوكة تكون لكم ) ( ثالث ثلاثة ) ، ( نودي يا موسى ) ، ( لا أبرح حتى ) ، ( الناس سكارى ) ، ( فاستغفر ربه ) ، ( يبتغ غير ) ( تعرف في وجوههم ) ، ( الفرق قال ) ، ( إنك كنت ) ، ( جعل لكم ) ، ( وأحسن نديا ) ، ( إنه هو ) ، ( إلا هو والملائكة )
120-إذا لم يكن تامخبر أو مخاطب أو المكتسي تنوينه أو مثقلا
ذكر موانع الإدغام وهي أربعة:
أ - إذا كان آخر الكلمة الأولى تا متكلم أو ما عبر عنه المؤلف تا مخبر مثل ( كنت ترابا )
ب- إذا كان آخر الكلمة الأولى تا مخاطب مثل ( أفأنت تكره الناس )
جـ- إذا كان آخر الكلمة الأولى منونا وهذا قوله ( أو المكتسي تنوينه ) واستعار اسم الكسوة للتنوين لأنه كاللباس للكلمة والحلية التي يتزين فيها مثل ( واسع عليم )
د- إذا كان آخر الكلمة الأولى مشددا أو ما عبر عنه الناظم بقوله ( أو مثقلا ) مثل ( فتم ميقات )
وقد نقل إدغام هذا كله دون شرط ولكن هذا هو المشهور وهو الذي ذكره الداني وغيره وهو اختيار لإحدى اللغتين وإلا فإن السوسي يدغم هاء الضمير في قوله مثلا ( إنه هو ) ، ( سبحانه هو ) وكاف الخطاب ( إنك كنت ) والمخاطبة ( إنكِ كنت )
(المكتسي) اسم فاعل وما بعده منصوب والأصل أن ( المكتسي ) حقه أن تظهر فتحة الياء ولكن قدرت ضرورة لسلامة الوزن
121- ككنت ترابا أنت تكره واسع عليم وأيضا ثم ميقات مثلا
مثل الناظم للموانع مرتبة :
كنت ترابا: فيه مانع للإدغام وهو تاء المتكلم أو المخبر .
أنت تكره: فيه مانع للإدغام وهو تاء المخاطب .
واسع عليم: فيه مانع للإدغام وهو التنوين .
تم ميقات: فيه مانع للإدغام وهو التشديد.
ومثاله ( أحل لكم ) ( مس سقر ) ، ( كنت تتلوا ) ، ( وخر راكعا ) ، ( غفور رحيم )
122- وقد أظهروا في الكاف يحزنك كفره إذاالنون تخفى قبلها لتجملا
ذكر استثناء للقاعدة في المتماثلين مع خلوها من الموانع فذكر أن الرواة أظهروا ولم يدغموا الكاف في الكاف في قوله تعالى ( فلا يحزنك كفره ) وبه أخذ أبو عمرو الداني وعليه عول الناظم وعلته سكون النون وإخفاؤها عند الكاف إخفاء حقيقيا وسبب هذا الاستثناء إما لكون الإخفاء قريبا من الإدغام وهو بين الإظهار والإدغام فكأن النون مدغمة في الكاف فأشبهت ما كان مثقلا فوجد مانع الإدغام
وقيل إن الإخفاء حالة بين الإظهار والإدغام فيكون فيه إعلال فلو أدغمت الكاف لاجتمع إعلالان
قال الداني : وذلك لئلا يجتمع فيه إعلالان إخفاء النون وإدغام الكاف على أنه قد روي الإدغام والأخذ بالإظهار لاغير .
وقوله (لتجملا) أي أن علة الإظهار هو الإخفاء وعلة الإخفاء تحصيل الجمال.
فالخلاصة أنه لا إدغام في قوله ( فلا يحزنك كفره )
123- وعندهم الوجهان في كل موضع تسمى لأجل الحذف فيه معللا
أي وعند أهل الأداء وجهان وهما الإظهار والإدغام في كل موضع التقى فيه مثلان ملتقيان بسبب الحذف وقد يكون المحذوف حرفا واحدا وقد يكون حرفين، ووجه الإظهار النظر إلى الأصل حيث لم يلتق مثلان لأن الحرف المحذوف فاصل فالمحذوف كالموجود، ووجه الإدغام النظر إلى اللفظ.
وقوله ( تسمى لأجل الحذف فيه معللا ) كل كلمة أحد حروفها الأصول حرف علة كيف كانت يقال فيها كلمة معتلة فإن طرأ على حرف العلة حذف أو قلب قيل فيها كلمة معلّة كأنه حصل فيها إعلال ومرض لما لحقها من التغيير
124- كيبتغ مجزوما وإن يك كاذبا ويخل لكم عن عالم طيب الخلا
حصر الناظم الكلمات التي فيها وجهان بسبب الإعلال
وقوله ( كـ ) ليست للتشبيه وليس لهذه الكلمات أخوات بل هي ثلاثة مواضع فقط وعليه فالكاف زائدة وإما أتى بالكاف تبعا للداني فإنه قال
يبتغ مجزوماً: الأصل أنها ( يبتغي غير ) فلما دخل الجازم (من) حذف حرف العلة فصارت ( يبتغ غير ).
قال الداني : كان ابن مجاهد وابن المنادي لا يريان الإدغام في هذا ...وبالإدغام قرأت من جميع الطرق عن اليزيدي من أجل التماثل وبه آخذ
يك كاذباً: الأصل أنها ( يكون كاذبا ) ، فلما دخل الجازم (إن) سكن آخر الفعل فالتقى ساكنان فصار( يكن ) والعرب حذفت لامها (ن) تخفيفاً، فصارت (يك كاذباً )
قال ابن مالك في الألفية :
ومن مضارع لكان منجزم .....يحذف نون وهو حذف مالتزم
قال الداني : كان ابن مجاهد وابن المنادي يختاران فيه الإظهار وكان أبو بكر الداجوني وغيره يرون فيه الإدغام وبذلك قرأته أنا ، والإظهار أقيس وأوجه في ذلك لأنه معلول من جهتين حذف عينه وذهاب لامه فإن أعلت فاؤه وهي الكاف بالإدغام اجتمع على هذا الفعل ثلاث إعلالات وذلك مما يتجنب ولا يستعمل
يخل لكم: الأصل أنها ( يخلو لكم )، فلما وقع جوابا للطلب جزم فحذف حرف العلة فصار:( يخل لكم ) .
قال الداني : اختلف أهل الأداء في قوله ( يخل لكم ) فكان ابن مجاهد وابن المنادي والنقاش لا يرون الإدغام في ذلك لأنه منقوص اللام فإن أدغمت عينه لحقه إعلالان ، وكان الداجوني وغيره يرون الإدغام في ذلك وبه قرأت لأنهما مثلان والإدغام عندي قبيح من وجهين أحدهما أنه منقوص والثاني كون ما قبل اللام فيه ساكنا غير حرف مد ولين والوجه أن يكون مخفى .
قوله: (عن عالم طيب الخلا): قيل يقصد أبا عمرو وقيل الداني وقيل اليزيدي وقيل يقصد نفسه وفيه بعد لاشتهار تواضعه وهضم نفسه ، والخلا هو العشب الذي ينتفع به ووصفه بالطيب ويقال فلان طيب الخلا أي حسن الحديث
والخلاصة أن في جميع الكلمات الثلاثة وجهان صحيحان الإدغام والإظهار
125- ويا قوم مالي ثم ياقوم من بلا خلاف على الإدغام لاشك أرسلا
ثم ذكر هذا البيت دفعاً لئلا يتوهم أن هذه الكلمات من قبيل ما سبق وهو أنه التقى فيها مثلان بسبب إعلالها بالحذف ووجهه أن الأصل في ( يا قوم مالي ) : أصلها ( يا قومي مالي ) فحذفت ياء المتكلم وهي لغة في الاسم المنادى كما سيأتي فالتقى ميمان فهل فيه الوجهان كما في الكلمات السابقة المعلة ؟ والجواب كلا بل لا خلاف في إدغام الميم بالميم ولهذا قال ( بلا خلاف ) وأكده بقوله أيضا ( لاشك ) وعليه فهذا ليس من المعتل بالحذف في شيء لأن حذف الياء لغة وليس لعلة وهي أيضا كلمة زائدة وليست من بنية الكلمة
( ومثلها ويا قوم من ينصرني ) فلا خلاف عن السوسي في إدغام هاتين الكلمتين.
وقوله ( لاشك أرسلا ) أرسلا أي أطلقا والتقدير : هذا اللفظان أطلقا على طريقة الإدغام وأسلكاه
قال الداني : لا أعلم اختلافا بين أهل الأداء في إدغام ما حذفت منه ياء الإضافة للنداء .
فـــائدة :
في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ست لغات : حذف الياء والاكتفاء بالكسرة وهي اللغة الأشهر ، إثباتها ساكنة ، إثباتها مفتوحة ، قلب الكسرة فتحة والياء ألفا ، حذف الألف والاجتزاء بالفتحة عنها ، الاتفاء عن الإضافة بنيتها وجعل الاسم مضموما كالمنادى المفرد
126- وإظهار قوم آل لوط لكونه قليل حروف رده من تنبلا
127- بإدغام لك كيدا .......
أي وأما استثناء آل لوط من الإدغام فمردود وليس بصحيح ، وقد رده النبلاء من القراء ، بل هو مدغم كغيره وهو المقروء به وأما من ذهب إلى الإظهار كابن مجاهد وابن المنادي والنقاش وغيرهم بعلة أنه قليل حروف فهذه علة ضعيفة سيردها بقوله ( لك كيدا) ولهذا كان الداجوني يرى الإدغام بل قال الداني به قرأت لأنهما مثلان والإدغام عندي فيه حسن
وسبب الإظهار عند بعضهم أنه قليل الحروف وردوا هذا باتفاقهم على إدغام ( لك كيدا ) فلو كانت هذه على لوجب أن لا يدغم ( لك كيدا ) وشبهه إذ هو لاشك أفل حروف من ( ءال ) لكونه على حرفين وكون ( ءال ) على ثلاثة أحرف
وقيل الإظهار لعلة أخرى سيذكرها الناظم
فــائدة:
قوله ( تنبلا ) من النبل وهو الجودة أي من رسخت قدمه في العلم وتدرب في النبل
127- بإدغام لك كيدا ولو حج مظهر بإعلال ثانية إذا صح لاعتلا
أي إذا كان المناط هو قلة الحروف في الإظهار فقوله (لك كيدا) أحق بالإظهار من (آل لوط) ومع هذا فقد أدغمها.
ثم قال الناظم لو احتج القائل بالإظهار بأن العلة في عدم الإدغام هو إعلال الحرف الثاني وهو عينه لا غير لأنها كانت هاء وهو قول البصريين فأبدلت الهاء همزة ثم قلبت ألفا لسكونها فكره الإدغام فلو احتج محتج بهذا لاعتلا أي لغلب
وقوله ( إذا صح لاعتلا ) يشير إلى التشكيك بثبوت وجه الإظهار في قوله ( ءال لوط ) وذلك لأن الداني شكك في ثبوت الإظهار حيث قال : وإذا صح الإظهار ولا أعلمه جاء من طريق اليزيدي وإنما رواه معاذ بن معاذ العنبري
128- فإبدالة من همزة هاء أصلها وقد قال بعض الناس من واو أبدلا
سبق بيان اختلاف أهل اللغة في إعلال فقيل : أصل ( ءال ) كما قال سيبويه هو (أهل) فأبدلت الهاء همزة فبقيت همزة ساكنة بعد أخرى مفتوحة فوجب قلب الثانية إلى حرف يجانس حركة ما قبلها وهو الألف ففيه إعلالان الأول : قلب الهاء همزة والثاني قلب الهمزة ألفا فلو أدغم لأعل ثلاث إعلالات ودليلهم أن أصلها ( أهل ) هو تصغير ( ءال ) فالعرب تقول في تصغيرها أهيل
وقيل أصل ( ءال ) : (أول) بالواو ، وهو قول الكسائي وابن شنبوذ من آل يؤول أي رجع وآل الرجل يرجعون إليه في نسب أو دين أو طريقة وعليه ففيه إعلال بقلب الواو ألفا ثم الإدغام سيتوارد عليه إعلالان ويرد على هذا الوجه بأن قوله تعالى ( قال له ) فيه إعلالان أيضا فأصل قال قول وقلبت الواو ألفا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها ومع ذلك تدغم باللام التي بعدها فيتوارد عليها إعلالان
والخلاصة أن ( ءال لوط ) فيها إدغام وهو المقروء به وقد وردت في أربعة مواضع
129 – وواو هو المضموم هاء كهو ومن فأدغم ومن يظهر فبالمد عللا
انتقل إلى حرف آخر جرى فيه الخلاف :
وهو إدغام الواو من لفظ (هو) المضموم الهاء في الواو ، فقال :
واو : ( هو ) المضموم الهاء مثل قوله تعالى : (هل يستوي هو ومن )
وهذا هو المقصود من قول الناظم ( كهو ومن ) ، فأدغم وهو على القاعدة إدغام كبير متماثلين ، والإدغام مذهب الجمهور عن السوسي طردا للباب وعملا بالقاعدة العامة في باب الإدغام الكبير . وقد ورد في القرآن في ثلاثة عشر موضعا مثل : ( هو والملائكة ) ، ( هو والذين ءتمنوا معه ) ، ( إلا هو ويعلم ) ، ( كأنه هو وأوتينا العلم ) ( إلا هو وما هي ) فهذا حكمه الإدغام عند الداني وغيره
وقوله ( ومن يظهر ) إشارة إلى الخلاف فذهب ابن مجاهد وأصحابه إلى اختيار الإظهار وحجتهم لئلا يؤدي إلى إدغام حرف المد ، فقوله تعالى : ( هو ومن يأمر ) إذا أدغمنا : فإن الواو تخفى بإزالة حركتها عنها وتسكينها للإدغام فأشبهت بذلك الواو الساكنة في نحو قوله تعالى ( ءامنوا وعملوا ) ( قالوا وهم فيها ) ( واسمعوا وللكافرين ) وشبهه مما إدغامه ممتنع بإجماع لما فيه من اختلال مد الواو ولأن الواو فيه ساكنة على كل حال ولا أصل لها في الحركة رأسا
وعليه قوله ( ومن يظهر فبالمد عللا ) أي يقصد ابن مجاهد أظهر ولم يدغم الواو المفتوحة التي قبلها هاء مضمومة في نحو ( هو ومن ) بسبب أن الواو لما سكنت صارت حرف مد فتعامل معاملة ( ءامنوا وعملوا )
وقوله ( واو هو المضموم ) احتراز من الهاء الساكنة وقد ورد في ثلاثة مواضع فقط ( فهو وليهم ) ( وهو واقع بهم ) ( وهو وليهم بما ) لأن أبا عمرو قراءته بسكون الهاء وليس بضم اللام وقد نقل الداني في التيسير الإجماع على إدغامه وذلك لأن الاحتراز فيما سبق أن الهاء مضمومة فسيكون مدا وأما هنا مع الهاء الساكنة فلا يوجد مد وهذا هو الفرق
وعليه فالهاء المضمومة والهاء الساكنة على مافي الشاطبيه والتيسير حكمها الإدغام وهو المقروء به للسوسي
فـائدة :
في قوله ( وواو ) يجوز فيه الضم على أنها مبتدأ ويجوز فيه النصب على أنها مفعول به مقدم
ثم ذكر ردا لحجة ابن مجاهد في عدم الإدغام فقال :
130 – ويأتي يوم أدغموه ونحوه ولا فرق ينجي من على المد عولا
أورد في هذا البيت ناقضا لعلة ابن مجاهد القائل بالإظهار أن في قوله تعالى : ( يأتي يوم لا مرد له ) ومثله ( نودي يا موسى ) أدغمه ابن مجاهد وأصحابه القائلون بالإظهار مع أن العلة التي أظهروا لها ( هو ومن ) من المد المذكور موجودة في ( ياتي يوم ) ونحوها وهي أن الياء تسكن وقبلها كسرة فإذا أدغمت ذهب ما فيها من المد فكان ينبغي أن يظهروا ذلك لكنهم مع ذلك أدغموه ولهذا قال الشاطبي ( ولا فرق ينجي من على المد عولا )
131 – وقبل يئسن الياء في اللاء عارض سكونا أو أصلا فهو يظهر مسهلا
انتقل إلى ذكر حرف آخر مختلف فيه، والصواب عدم إدغامه وذلك في قوله تعالى ( واللائي يئسن من المحيض )
وليعلم أن أبا عمرو يقرأ ( واللائي ) بوجهين أحدهما بياء بدون همزة ( واللاي ) والثاني بهمزة دون ياء مع التسهيل بين بين وقد ذكر هذا النظم في فرش سورة الأحزاب بقوله :
وبالهمز كل اللاء والياء بعده ذكا وبياء ساكن حج هملا
وكالياء مكسورا لورش وعنهما وقف مسكنا والهمز زاكيه بجلا
فلأبي عمرو وجهان كما سبق
وعلى الوجه الأول يرد إشكال في سورة الطلاق في قوله تعالى ( واللاي يئسن ) ولا يأتي في سورة الأحزاب وذلك لأنه في سورة الطلاق سيتجاور ياء ساكنة وبعدها ياء متحركة في قوله ( يئسن ) والأصل ومقتضى القياس وجوب الإدغام وأن يكون إدغاما صغيرا لأن الياء الأولى ساكنة والثانية متحركة وقاعدة القراء كلهم عند المتماثلين الإدغام الصغير مالم يكن حرف مد فمقتضى ذلك وجوب الإدغام إلا أن الناظم يقول ( فهو يظهر مسهلا ) أي أن أبا عمرو أظهر الياء ولم يدغم بل قال الداني : لا يجوز إدغامها
لأنه أسهل في النطق .
وقد ذكر الناظم السبب: في قوله ( عارض سكونا أو اصلا فهو يظهر ) واختلف الشراح هل ذكر الناظم علتين أم واحدة
وللجواب على ذلك ننقل كلام الداني ثم نرجع إلى الناظم ، قال الداني في التيسير : ( لا يجوز إدغامها لأن البدل عارض وقد عضد ذلك ما لحق هذه الكلمة من الاعتلال بأن حذفت الياء من آخرها وأبدلت الهمزة بالياء فلو أدغمت لاجتمع في ذلك ثلاث إعلالات )
وذكر الداني في كتابه الإدغام الكبير أن المنع من وجهين :
فالأول : أن الأصل فيها ( اللائي ) ثم حذفت الياء وبقيت الهمزة متطرفة ثم قلبت الهمزة ياء ساكنة فالياء عارضة والإسكان عارض فوجب أن لا يعتد بذلك بهذا العارض وتعمل وكأن الهمزة موجودة فلا إدغام
الثاني : أن اللائي صار بها إعلالان كما سبق فحذقت الياء المتطرفة ثم أبدلت الياء همزة فاكتنفها إعلالان فلو إدغمت الياء أيضا اكتنفها ثلاث إعلال ثالث وذلك خروج من الكلام وعدول من المتعارف في اللغة فبطل الإدغام لذلك
وذهب بعض الشراح إلى أن ما سبق من العلتين هما علة واحدة
وعليه فقوله ( الياء في اللاء عارض سكونا ) أي أن سكون الياء عارض وقوله ( أو اصلا ) أي أنها في نفسها عارضة
فذكر العلة من أجل جواب سؤال : وهو أنه من القواعد المقررة أن المتماثلين إذا سكن الأول يدغم في الثاني مالم يكن حرف مد فلم لم يدغم ؟
فذكر الجواب أن الإسكان عارض والياء عارضة
فـــائدة :
جاء الإدغام للسوسي من غير طريق التيسير والشاطبية وأما من طريق التيسير والنظم فليس فيه الإدغام وهو المقروء به
وطريق نطقه : أن يمد مدا لازما وذلك لأنه سبق الياء الساكنة حرف مد ولكن تخفف الياء ولا تشدد فهو من قبيل اللازم الكلمي المخفف
|