شرح منظومة الدرة اليتيمة في علم النحو: الدرس الأول

الدرس
شرح منظومة الدرة اليتيمة في علم النحو: الدرس الأول
8706 زائر
21/05/2011

بسم الله الرحمن الرحيم

( المقدمة )

حمداً لمن شرّ فنا بالمصطفى وباللّسان العربيّ أسـعفـا

ثم عـلى أفصح خلق الله وآله أزكـى صــلاة اللـه

ياطـالباً فتح رتاج العلم وقاصداً سهل طـريق الفــهم

اجنح إلى النّحو تجده علما تجلو به المعنى العويص المبهـما

وهاك فيه ((درّةً يتيمـة)) أرجو لها حسـن القبـول قيـمه

قبل البدء بشرح هذه المنظومة أسأل الله – عز وجل – أن يعيننا على فهمها ، وإدراك معانيها ، والإستفادة مما يقال فيها .

تعريف بالناظم :

الناظم هو : سعيد بن سعد النبهان – الحظرمي – توفي سنة 1354هـ , ونظمه هذا يعتبر درةً للمبتدئين, ومعينا لراغبي تعلم علم النحو ، وعلم النحو تكمُن صعوبته في الدخول عليه ، فإذا دخلت عليه وأحسنت الدخول ، استوعبت كل ما فيه من أبواب ، استيعاباً كاملاً ، ولذا يقال : أبواب علم النحو من حديد ، وجدرانه من قصب .

لكن السؤال هو : متى تدخل البيت وتحسن دخوله ؟ وسبب عزوف كثير من طلبة العلم عن علم النحو , وعدم ضبطهم له ، هو أنهم لا يدركون تمام الإدراك أين أبواب النحو المهمة ، وليس هذا فحسب !! وإنما المشكلة أيضاً أن الطلاب يستهينون بفهم أهم الأبواب .. ولو ضربنا مثالاً تدركونه .. فمثلاً باب السلم في الفقه ، الأكثر يدرك طرفاً من معلومة أو مسألة فيه ، لكن لماذا لم يدرك باب السلم كله ؟ لأنه لم يعرف أين أهم أبواب السلم والتي من خلالها تتفرع عنها هذه المسائل التي يعرفها ، لكن لابد من أن يكون الضبط جيداً .

نرجع ونقول لو أن كل طالب علم يدرك أصول الأبواب , وما هي أهم الأصول التي في كل باب ، سيجد أن علم النحو يسهل عليه تماماً ، وأنه يضيف إلى معارفه كل يوم معرفه فتثبت لأن لها أصلا .

ولذا المؤلف رحمه الله كأنه انتبه لهذه القضية ، فلم يختصر في أول الأبواب التي هي المهمة بل جعل اختصاره في آخر المنظومة للأبواب الأخرى .

والمشكلة دائماً تكون في المقدمة ، وضبطها هو الذي يجعلك تضبط علم النحو .

وأضرب لكم مثالاً في علم التجويد : فتجد شخصا يعرف مباشـرة حروف الإقلاب والإدغام وغيرها ، لكن مكمن الخلـل أن أم الباب وهي النون الساكنة لا تعطى من الأهمية كما تعطى الأبواب التي بعدها مع أن باب النون الساكنة أهم مما بعدها فتجد الطالب لا يعرف النون الساكنة ولا كيف رسمت في المصحف ويعتقد أن هناك فرقا بينهما ولذلك تجد الكثير يعرف أحرف الإدغام ولكنه لا يستطيع استخراجه , فتأتيه وتقول له أخرج النون الساكنة في هذه الورقة فتجده يتجاوز ثلاثة أسطر وفيه أكثر من أربع نونات ساكنة لم يذكرها ، والمشكلة في هذا أنه لم يدرك صورة النون الساكنة

ولهذا لنجتهد في هذه الأبواب المتقدمة


قوله المقدمة : بكسر الدال ويجوز فتها ، اسم فاعل ومفعول لقدم ، فهو فعل مضّعف ، والمقدمة تنقسم إلى قسمين : القسم الأول : مقدمة كتاب وهي التي يذكر بها المؤلف رحمه الله طريقته ، وتعريف بهذا العلم الذي سينظمه ، ودعاء بأن الله يوفقه بما بدأ به وينفع به ، وما شابه ذلك .

القسم الثاني : مقدمة العلم ، وهي المقدمة التي يذكر بها أصول العلم ، والأبواب التي يدور عليها كل أبواب العلم .

حمداً لمن شرّفنا بالمصطفى .........................

حمداً : مصدر حمد يحمد حمداً ، والحمد مر معنا بأنه هو : وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم ، والله يحمد على صفاته الاختيارية ، وصفات الأفعال , فيحمد على عطائه ونواله ، وعلى قوته ورحمته وخلقه ، وما شابه ذلك .

لمن شرّفنا : الذي شرّفنا بالمصطفى هو الله عز وجل , إذن هو المحمود .

بالمصطفى : أصلها المستفى ، وهذا النوع تبدل فيه التاء طاءً , إذا كانت الفاء أحد حروف الإطباق ، وبعدها تاء ، فالتاء تقلب طاء ، وحروف الإطباق هي : الصاد ، والضاد ، والظاء ، والطاء ، فإذا كانت الفاء أحد حروف الإطباق ، وجاء بعدها تاء على هذا الوزن فتقلب طاء .

ولاشك أن الله ، عز وجل ، شرّفنا ببعثته , واختاره لنا من بين الخلق .

وباللسان العربي أسعفا ...................

اللسان : يطلق ويراد به اللغة كقوله تعالى :  وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه  فاللسان يطلق على اللغة .

العربي : نسبة إلى العرب .

أسعفا : أي أمر وأعطى ، والألف هذه تسمى ألف الإطلاق ، واللسان العربي لغة من اللغات ، فعندنا لسان عربي , وعندنا لسان عبري ، وعندنا لسان سرياني ، فهذه كلها لغات ، وقد اختلف أهل الأصول في مبدأ اللغات , وأصح الأقوال عندهم بأن الله هو واضع اللغة ، قال تعالى ( وعلّم آدم ..) إذن علّم أي الذي وضعها الله ، حتى إنه علّمه القِدر , والفسوة , والفسية , كما ذكر ذلك بن عباس – رضي الله عنهما – فأصل اللغات كلها توقيفية قال السيوطي :

توقيف اللغات عند الأكثر ومنهم ابن فورك والأشعري

وخلق الله – جل وعلا – هذه اللغة وعبر بها الإنسان , فهو خالقها وواضعها ، وقيل بالتوقف – والمعتزلة ذهبوا إلى أنها اصطلاحية ، فالناس وجِدوا في هذا المكان فاصطلحوا على : اذهب وتعال .

ولهذا قال السيوطي : وباصـطلاح قـال ذو اعـتزال ........................

عموما هذه مسألة ذكرها أهل الأصول .

قال الناظم :

ثم على أفصح خلق الله .......................

ثم على أفصح خلق الله : هذا هو الرسول – صلى الله عليه وسلم – وكأن المؤلف رحمه الله يشير إلى ما روي : (( أنا أفصح من نطق بالضاد ))

والإشارة إلى المعنى صحيح ، وهو لم ينسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو لا أصل له كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره ، لكنه مشتهر عند علماء العربية واللغة .

وقد ثبت في الصحيين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أعطيت جوامع الكلام .. ) وهذه هي الفصاحة لأن تعريفها هو : المقال المناسب للمقام والحال .

هذه هي الفصاحة ، ولاشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم متصف بهذه الصفة تماماً ، قال الإمام البخاري – رحمه الله –وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك

وللنبي صلى الله عليه وسلم كلمات عجيبة جداً في اختصار الكلام ،

كقوله : (( إنما الأعمال بالنيات )) .

قال الناظم :

........................ وآلـه أزكـى صـلاة الله

آله : هم أتباعه على ملته , فيدخل فيهم من باب أولى قرابته إن كانوا مؤمنين ، وأما غير قرآبته فهم من آله إتباعاً ، وإن كان من قرابته من ليس مؤمنا فليس من آله قال الشاعر :

آل النبي هم أتبـاع ملتـه من الأعاجم والشبان والعــرب

لو لم يكن آله إلا قرابتــه صـلى المصلي على الطاغي أبي لهب

أزكى صلاة الله : أشرف وأفضل صلاة الله ، والصلاة اختلف في معناها , فقيل الرحمة من الله , وقيل المغفرة ، وقيل ثناء الله عليه في الملأ الأعلى , وهذا قول أبي العالية كما ذكر ذلك البخاري – رحمه الله – معلقاً .

قال الناظم :

يا طالباً فتح رتاج العلم .......................

يا طالباً : أي سائلاً ، فكأن سائلا سأله أن ينظم له منظومة , وذلك لمّا صعب عليه العلم ، فجاء إلى سعيد بن سعد النبهان فطلب منه أن ينظم له نظماً مفيداً ، أو يشرح له شرحا مفيداً ، أو يؤلف له تأليفاً مفيداً , فاستجاب له رحمه الله

فتح رتاج العلم : المؤلف رحمه الله أراد أن يفتح الباب - فقط - وهذا ما تكلمنا عنه في المقدمة فهو يضمن لك أنك إذا ضبطت هذه المنظومة , فإنه قد فتح لك الباب , فأنت بخيري النظرين إما الدخول , أو الوقوف , وهذا ما قصدته في أول الكلام .

رتاج : بالفتح , وبالكسر وهو أفصح ، والرتاج هو:الباب العظيم المغلق ، ومنه سمي باب الكعبة رتاجاً , لأنه مغلق .

العلم : هل هذا عام مخصوص ؟ أم عام أريد به الخصوص ؟أم عام مطلق ؟

في نظري أنه عام مخصوص ، فهو أراد فتح رتاج العلم كله ، فعلم النحو هو باب علوم الشريعة كلها ، فلا يمكن أن تحّصل علم الشريعة إلا بمعرفة النحو , ولذا قال الفراء رحمه الله : قل رجل تمعن في علوم العربية ، وأراد علماً غيره إلا وسهل عليه , والعكس .

فهو كالحلقة تدور عليه العلوم كلها

قال الشاطبي رحمه الله : (فإذا فرضنا مبتدئاً في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطاً فهو متوسط في فهم الشريعة،والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية ، ومن كان منته في علم العربية فهو منته في علم الشريعة))

ولذا قال شعبة رحمه الله :

إن المحدّث الذي لا يعرف النحو , كالحمار يحمل المخلاه ليس فيها شعير .

ولهذا وللأسف الشديد كثير من الناس يزّهد في علوم العربية ، وخذوا قاعدة :كل من جهل شي عاداه . وهناك فرق بين من يلحن وبين من لا يقوم بتعلم العربية .

......................... وقاصداً أسهل طريق الفهم

قاصداً: أي قاصداً الطريق السهل للفهم ، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، وهذا أسلوب بلاغي ، لأن الأصل كون الموصوف قبل الصفة .

والفهم : هو: إدراك الكلام بتمامه ، فلا تستطيع فهم القرآن إلا بعلم النحو , وكذلك الفقه , وغيره .

اجنح إلى النحو تجده علماً .........................

اجنح : أي اذهب , وهذه كلمة قوية ورائعة ، وفي الكلام من البلاغة الشيء الكثير .

النحو : لغة القصد وهو العلم بالمفردات العربية , وما يدخل عليها , من إعرابٍ وبناء .

تجده علماً : أي النحو.

........................ تجلو به المعنى العويص المبهما

العويص : الشائك الصعب ، فكل معنى عويص فستجد النحو سيسهله عليك , ويشفي غليلك ، والكلام إما عويص بإجماله , أو عدم فهمه ,

فلما تقرأ مثلا قوله تعالى( إن الله برئ من المشركين ورسوله  فهي لم تشكّل , والأصل أن المعطوف يتبع المعطوف عليه ولكن يكون مشكلا هذا المعنى , الذي يزيل عنك الإشكال هو علم النحو

المبهما : لو قال ( العويص الفهما ) لكان أمتن عندي أن هذه الكلمة ( أجنبية ) وتحتاج إلى تقييد ولو قال الفهما لكان أحسن.

وهاك فـيه درة يتيمة ........................

هاك فيه : أي خذ وهي اسم فعل أمر .

درة : أي نفيسة غالية .

يتيمة : أي ليس لها نظير , وهذا من ثناء المؤلف على مؤلفه , وليس هو بمستنكر , وذلك لأجل أن يعرّف بأهميته ,

وابن مالك رحمه الله لماّ ألف الألفية , وكان قد سبقه ابن المعطي رحمه الله ,

قال

........................... فائــقة ألفية أبن معطي

حتى إنه روي أن ابن مالك رحمه الله أغلق عليه بعد هذا البيت , فرأى رؤيا في المنام , وهو أن ابن معطي يتقدم عليه , فلما أصبح قال :

وهو بسبق حائزا تفضيلا مســتوجباً ثنائي الجميلا

فلا إشكال في أن المؤلف يمدح مؤلفه , وابن سيده – رحمه الله – لماّ ألّف كتابه في العربية , مدحه وأكثر من ثنائه وتميزه على سائر الكتب بل وتميزه على أهل بلده والقارئ لماّ يقرأ المقدمة , ويرى هذا الثناء ، تتطلع نفسه لأن ينظر ويقرأ في الكتاب , وخاصةً إذا كان المؤلف عالما كبيرا , وتثق بعلمه , وديانته , فإنك ستأخذ بعين الاعتبار نصيحته .

......................... أرجو لها حسن القبول قيمه

أرجو:أي لهذا الكتاب حسن القبول , واستجاب الله دعاءه , وذلك باحتفاء أهل العلم له , وها نحن الآن وبعد ستين سنة , وبيننا وبين مكانه عدة أميال , نقوم بشرح منظومته , وأهل العلم يقومون في هذا الزمان بشرحها في الدورات , فلعل الله استجاب دعاءه .

وكم من المنظومات التي فُقدت ولا تعرف أين هي , وذلك إما أن يكون المؤلف هو يبعدها لأنه يرى عدم وجود النية فيها , أو أن الله قد حفظ العلم بمنظومةٍ أخرى لا يريد أن تزاحمها فكل ذلك يرجع إلى فضل الله ومنته , ولهذا الشاطبي رحمه الله ألف قصيدة في القراءات السبع ( نظم فيه التيسير ) وجاء ابن مالك رحمه الله وألف منظومةً أخرى في القراءات السبع , بأبيات أقل من أبيات الشاطبي رحمه الله بمئات ولكن سبحان الله !! ما اشتهرت , ولا درجت , ولا أعلم لها شرحا , خلافاً لمنظومة الشاطبي رحمه الله فلها عشرات الشروح , ولا نقول إن سبب ذلك هو نية ابن مالك رحمه الله كلا وحاشا , ولكنه قدرُ الله عز وجل , وهو من توفيق الله للشاطبي .

ومما يذكر أيضاً أن ابن آجروم رحمه الله لماّ ألّف الآجرومية , ذهب إلى البحر , وقال اللهم إن كانت نيتي غير صالحه فأذهب حبرها , فوضعها في البحر ثم أخرجها فيقال أنها لم تبتل , ولذا ابن آجروم لا نستطيع أن نعرّف عنه بأكثر من ستة أسطر , لكن .. انظر عدد الشروح , والنظم , والزيادات , والاختصار , والحواشي عليه , وكأنه ابن مالك أو ابن هشام رحم الله الجميع .

والماوردي رحمه الله كان قد خبأ كثيرا من كتبه , ولم يخرج شيئا منها حال حياته , فلما مرض واشتد عليه المرض , قال للناسخ إن بسطت يدي فأخرج كتبي , وإن قبضت يدي فأحرق كتبي .

فهم يختبرون نواياهم , لأن إثم الرياء والسمعة عظيم جدا , فيقولون الفكاك غنيمة لا لي ولا علي , أيضا نحن ندعو بأن يغفر الله للمؤلف ويوفقنا لفهم وإدراك كلامه .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
25-04-2018 12:07 (غير مسجل)

ابواحمدبشير

السلام عليكمكم يسعدني كثيرا ان اعرف الشارح فبارك الله فيكم
01-01-1970 03:00 (غير مسجل)

حسام الدين

بسم الله الرحمن الرحيم،
السلام عليكم، بارك الله لكم في علمكم و زادكم و إيّنا علما،
لي سؤال لم أجد له إجابة وأرجوا أن تعينوني جزاكم الله،
في قول الناضم عليه رحمة الله، يا طالبا فتح رتاج العلم، ما أراه هو أنّ رتاج تكو ن بالكسر ولا أرى كيف تكون بالفتح،
فهلا تفضلتم بالشرح حفضكم الله.
[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 4 = أدخل الكود
جديد الدروس
جديد الدروس
ذكر لام هل وبل - شرح متن الشاطبية
تاء التأنيث - شرح متن الشاطبية
ذكر دال ( قد ) - شرح متن الشاطبية
باب الإظهار والإدغام - شرح متن الشاطبية
أهم مسائل المسح على الخفين - الدروس والمقالات
Powered by: MktbaGold 6.6